عبدالله الخليفة
03-08-2009, 11:50 AM
( قصص من الواقع ) للشيخ : ( نبيل العوضي )
عناصر الموضوع:
1 عاقبة الشهوة
2 التوبة والرجوع إلى الله تعالى
3 السعادة الحقيقية ليست في المال
4 الانترنت وخطورته
5 أي الخاتمتين تريد؟
6 أثر الدعاء
7 قصة من الشيشان
8 هذا زرعك وهذا حصادك
قصص من الواقع
إن أسلوب القصص له أثره العظيم في قلوب الناس، لذلك قد يتأثروا بالقصة ما لا يتأثرون بغيرها، والشيخ في هذا الدرس قد ذكر عدداً من القصص متنوعة المواضيع، فذكر قصصاً تبين عاقبة الشهوة، من الإصابة بالأمراض المستعصية، والانتكاسة بعد التدين، وذكر قصة تدل على أن السعادة ليست في المال، وقصصاً في التوبة إلى الله تعالى، ثم ذكر قصصاً تبين الخاتمة الحسنة من السيئة، وأخرى تبين أثر الدعاء، وختمها بقصة تبين أهمية تربية الأولاد.
عاقبة الشهوة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها الإخوة الكرام: حياكم الله في هذا المجلس، وأسأل الله جل وعلا كما جمعنا في هذا المكان الطيب أن يجمعنا في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وأسأل الله جل وعلا أن يجعل هذا الاجتماع اجتماعاً مرحوماً، ويجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً.
أيها الإخوة الكرام: عنوان هذا الدرس (قصص من الواقع).
ولن تجدوا في كلمتي هذه القصص مرتبة، بل سوف أنوع القصص وأنتقل بكم يمنة ويسرة، من كل بستان نقطف زهرة.. قصص بعضها مؤلمة، وبعضها مفرحة.. قصص قد تصعد بنا وتنزل.. قصص اخترتها من واقع الحياة، بعضها قرأتها، وبعضها سمعتها، وبعضها تلقيتها من أصحابها مباشرة، فإليكم هذه القصص، ولست من القصاصين الذين قد ذمهم بعض السلف ؛ لأن أولئك القصاصين كانوا ينسبون القصص لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
أما حديثنا اليوم فإنه مليء بالآيات، وبأحاديث المصطفى عليه الصلاة والسلام، فإياك أن تقول: إن المجلس فارغ، ليس فيه إلا القصص، بل قد ملأته بالآيات والأحاديث والعبر، فهل لهذه القصص من معتبر؟!
إلى أصحاب الشهوات.. إلى الذين لا يفكرون إلا بفروجهم ليلاً ونهاراً، إن جاء الصيف جمعوا المال وسافروا إلى بعض البلاد والديار، ليفعلوا ما يفعلوا، وليصنعوا ما يريدون من الشهوات، إلى أولئك أحدثهم بهذه القصة.......
الإصابة بالأمراض المستعصية
هذا شاب يقول عن نفسه في آخر حياته: بعد أن أنهيت الثانوية -ونحن الآن في هذا الجو الذي قد انتهى فيه البعض من الثانوية- جاءني أحد رفقاء السوء فقال لي: يا فلان! أتحب السفر معنا؟ قلت: إلى أين؟ قال: إلى تلك البلاد الآسيوية.. بلاد آسيوية فيها المنكر والفساد، جهاراً نهاراً بأبخس الأثمان، فقلت: كيف؟ قالوا: اطلب من أبيك المال، وسافر معنا والأمر بسيط، أياماً معدودات ثم نرجع، قال: فجئت إلى أبي.. وانظروا إلى أبيه الغافل، وكم غفل بعض الآباء عن أبنائهم.
فقال: يا أبي! قد نجحت في الثانوية، وحصلت على التقدير العالي، وأريد مكافأةً؟ قال: ماذا تريد؟ قال: أريد مالاً؛ لأذهب وأسافر مع أصحابي. فقال الأب: إلى أين؟ قال: إلى تلك البلاد، قال: لا بأس، فأعطاه المال، قال: فسافرت لأول مرة، فذهبنا إلى تلك البلاد، والغريب أنني رأيت شباباً من أبناء بلادنا دخلوا أماكن حمراء.. أماكن مظلمة.. أماكن فيها الفساد والشهوات، يفعلون الفواحش والمنكرات، فدخلت معهم، وفعلت ما لم أظن أنني أفعله في حياتي يوماً من الأيام، صنعت المنكرات، وفعلت الفواحش، وأتيت الشهوات، يقول: فتلذذت مرة بعد الأخرى، حتى رجعت إلى بلادي فاشتقت إلى الرجوع، فأخذت من أبي مالاً مرة أخرى.. وهكذا توالت السفرات بعد السفرات، حتى وقعت في وكر المخدرات.
يقول: فلما نفدت الأموال، بدأت أسرق الأموال؛ لأسافر إلى تلك البلاد، السفر صار في دمي، والمخدرات تجري في عروقي، ومرت الأيام والسنون، حتى جاء ذلك اليوم -اسمع ما الذي حدث؟- يقول: أحسست بإعياء شديد، فسقطت على الفراش، فذهب بي أصحابي إلى الطبيب، وبعد التحاليل والفحوصات، جاءني الطبيب يفاجئني، وقال: يا فلان! إن الأمر صعب، قال: أخبرني يا طبيب. قال: بعد التحاليل اكتشفنا في الدم أنك مصاب بفيروس الإيدز.
يقول: فكأن الدنيا قد أظلمت أمامي، أحلامي تبددت، وضاقت علي الأرض بما رحبت.
أيها الطبيب! ربما أخطأتم، قال: سنعيد الكرة، فأعادوا التحليل مرة أخرى، لكن النتيجة هي النتيجة، يقول: ذهبت إلى طبيب آخر وإلى مستشفى آخر، ولكن النتيجة هي النتيجة، ثم رجعت إلى بلادي مسود الوجه، قد أظلمت الدنيا أمامي، يقول: وأنا الآن أكتب إليكم قصتي وأنا على فراش الموت أنتظر الموت!!
أتعرف ما الذي يحصل؟ إن الإيدز أوله فضيحة وعار، وتمر به الأيام وهو على الفراش ملقى ثم يبدأ بعد هذا تنهار قواه، ثم يصاب بشلل في الجسم؛ لأن الفيروس يصيب المخ، وتمر به الأيام حتى يصير على الفراش ملقى لا يستطيع أن يقضي حاجته بنفسه.
أرأيت أين المتعة والشهوة؟ أين السهرات؟ أين الفتيات؟ أين السفرات؟ كلها قد ذهبت، وهو الآن على الفراش لا يقرب منه أحب الناس إليه، كل الناس قد هربوا منه، يخافون أن ينتقل المرض إليهم، فإذا ذكروا فلاناً اسود وجه أبيه، وأظلمت الدنيا في عين أمه، وبكوا ودمعت أعينهم، ابنهم على الفراش ينتظر الموت، ثم تمر به الأيام، فيذهب شيء من عقله، فيصاب بالجنون، ثم يأتيه ألم شديد، يأخذه من رأسه إلى رجله، وربما يظل على هذه الحال سنة أو سنتين، يتمنى الموت ولا يموت.. يتمنى الموت ولا يدركه، ثم يتعذب سنيناً أو شهوراً على هذه الحال، ثم يقبض الله عز وجل روحه.
تفنى اللذاذة ممن ذاق صفوتها من الحرام ويبقى الإثم والعار
تبقى عواقب سوء في مغبتها لا خير في لذة من بعدها النار
إحدى البلاد العربية لما زرتها سألت أهلها: لماذا يسمح أهل هذا البلد بالفجور وبالمومسات؟ هذا الأمر مفتوح في تلك البلاد بقوانين رسمية، الخمور والممومسات في بعض الفنادق موجودة، فسألتهم: ألا يوجد عندكم الإيدز؟
فقالوا لي: إن الإيدز منتشر، لكن الإحصائيات يُكتم عليها، حتى أخبرني أحد الذين يعملون بالصحة، قال: عندنا أعداد ضخمة ممن يصابون بالإيدز، ولكنها تكتم ولا تصل إلى عامة الناس، قلت لهم: أتعرفون أشخاصاً بأعينهم؟ قالوا: نعرف رجلاً كبيراً في السن متزوجاً وعنده أبناء، رجل مستقيم، لكن لحظة من حياته غلبته شهوته، ففكر في السفر، ولم يسافر في حياته إلا أياماً قليلة ثم رجع وتاب، يقولون: مرت الأيام ولكن تلك السفرة كانت سبباً في إصابته بالإيدز، فعولج ثم هلك في المستشفى، يقولون: الأغرب من هذا أن زوجته كانت من الصالحات، وهي مستقيمة، وبعد أن توفي زوجها بأشهر اكتشفوا في دمها فيروس الإيدز، والزوجة صالحة ومتدينة.. من الذي قتلها؟ من الذي أجرم بحقها؟ من الذي أوصلها إلى هذا الحال؟
إن هذه المرأة المتدينة لم تكن تعرف للحرام طريقاً.. من المجرم؟ إنه الزوج.
فقالوا لها: أتحبين العلاج لنذهب بكِ إلى أي بلاد شئت؟
قالت: لا والله، لن أموت إلا على سجادتي وأنا أصلي بين يدي ربي جل وعلا، وفعلاً مرت شهور وماتت الزوجة في بيتها، محتسبة صابرة.
الانتكاسة وترك التدين
اسمع إلى هذا الشاب.. وأنا أحذركم من مثل هذه القصة، إنها من أخطر القصص وأسوئها، وهذه حدثت قبل سنين عديدة.
كان شاب يسافر في إحدى السفن التي تذهب للتجارة، وكان إماماً يقرأ القرآن، ويؤذن في الناس ويصلي بهم، واسمع ما الذي حدث له من الشهوات وما أدراك ما الشهوات! يقولون: مرت الأيام حتى نزلوا عند إحدى البلاد الغير إسلامية، ليفرغوا حمولتهم ويأتوا بحمولة أخرى، فذهب كل منهم إلى طريقه.. أسبوعاً كاملاً سوف تبقى السفينة عند هذا المرسى، فجاء رجل من أصحاب السوء، فوجد الشاب الصالح لم يفارق السفينة، فقال له: يا فلان! انزل معنا نتجول في البلاد، فقال: لا. أنا أريد أن أجلس أقرأ القرآن حتى تنتهي المدة، قالوا له: انزل فربما ترى شيئاً تشتريه لأولادك،فنزل وذهب يتجول معهم في الأسواق والشوارع.. ينظر إلى الغادين والرائحين.. إلى النساء السافرات.. إلى المتبرجات، هذه قد كشفت ساقها، وتلك فخذيها، وهذه شيئاً من صدرها، فأخذ يلتفت يمنة ويسرة!
أين القرآن؟ أين الأذان؟ أين الصلاة؟ أين العبادة؟ كلها قد نسيها، أخذ ينظر إلى الفتيات يوماً بعد آخر، فذهب به صاحب السوء، وقال له: أتريد أن نذهب إلى أماكن تسمى أماكن الخنا. قال: أعوذ بالله! قال: لن نفعل شيئاً، إنما نرى هل الأمر حقيقة أم خيالاً! وفعلاً ذهب وأخذ ينظر إلى الناس، ومرت الأيام فإذا بالشاب يدخل معهم فيفعل ما يفعل غيره.
أين القرآن؟ أين الصلاة؟ أين الأذان؟ أين قول الله: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً [الإسراء:32] أخذ يفعل المنكرات، ولما حان الرحيل قال قائد السفينة: أين فلان؟ قالوا: لن يسافر معنا.. فلان إمامنا، الصالح فينا أين هو؟ قالوا: سوف يسوؤك الأمر، قال: لا بد أن تخبروني، قالوا: إنه في أماكن الدعارة والخنا، فقال قائد السفينة: لا بد أن نذهب إليه، فذهب إليه ينصحه، فقال: لن أذهب معكم، سوف أعيش في هذه البلاد، فأخذه قائد السفينة رغماً عنه، وحمله بعد أن قيده وألقاه في السفينة.
وعندما مشينا في البحر وحان وقت الصلاة أذن المؤذن فلم يأت للصلاة معنا، إنما جلس في الغرفة وأغلق الباب على نفسه، نناديه فلا يصلي.. نحثه للصلاة وهو لا يريد أن يصلي.. يقول: حتى جئته يوماً من الأيام، ونحن في وسط البحر، فقلت له: أما تخاف الله؟ أما تتقي الله عز وجل؟ كنت إمامنا.. كنت تؤذن للصلاة فينا، وأنت الآن لا تصلي! فقال: اذهب، أنا أريد الرجوع إلى تلك البلاد. قال: ولِمَ؟ قال: حياتي ليست معكم، أنا أتحسر أنني ضيعت حياتي معكم في الصلاة والقرآن.. انظر ماذا يقول؟ قال: فاستعذت بالله منه، ودعوت الله عز وجل أن ينجينا من شره، واكتشفنا بعد أيام أنه مصاب بمرض جنسي، فابتعدنا عنه وهجرناه، ومرت الأيام حتى جاءت تلك الليلة، فسمعنا صوتاً في آخر الليل، ما الذي حصل آخر الليل؟
آخر الليل عندما ينزل الرب إلى السماء الدنيا نزولاً يليق به جل وعلا: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11] نزولاً حقيقياً لكن ليس كنزول غيره، ينزل الرب فيقول: هل من سائلٍ فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟
يقول قائد السفينة: سمعنا صياحاً شديداً آخر الليل، فقمنا من الفرش، واتجهنا نحو الصوت، أتعرف ماذا رأوا؟ يقول: رأينا الرجل الشاب الذي كان إماماً يصلي بالناس يعض على خشبة في السفينة ويصرخ، فإذا به بعد قليل سكت وهدأ، فجئنا لنوقظه، فإذا هو قد فارق الحياة الدنيا، وقد قطع بأسنانه شيئاً من خشبة السفينة!!
أي ألم أصابه؟ أي عذاب تعذب به؟ أي خاتمة ختم له بها، هذا جزاء الشهوات.. تلك نهاية الملذات، إن اللذة قصيرة كاذبة وإن الشهوات اليوم سهلة، وإن كل الناس اليوم يستطيعون بأموالهم أن يفعلوا ما يشاءون من الزنا والخنا وشرب الخمور؛ ولكن تخيل: يأتي يوماً من الأيام بعض العصاة إلى الطبيب، بعد أن أصابه المرض، والطبيب يقول له: يا فلان! إن الأمر سيئ، أخبرني يا طبيب! فيقول له: إنك مصاب بمرض الإيدز، إنه الموت البطيء.. إنه الانتحار البطيء، لا فكاك ولا مفر، فضيحة وعار وشنار، ثم سوء ختام، تخيل أولئك العصاة! أتعرف كم هم؟ إنهم ملايين -الآن- على وجه الأرض ينتظرون الموت.. يبحثون عن الدواء والشفاء، لا دواء، ولا شفاء، كل منهم يبكي على فراشه ينتظر الموت، وأين الموت منهم؟ يقول أحد الشعراء:
يا عين فلتبكي ولتذرفي الدما ذنباً أحاط القلب أصغ له سمعا
أين الدموع على الخدين قد سالت فالنفس للعصيان يا رب قد مالت
فيا ترى أصحو من سكرة الشهوة أم يا ترى أبقى في هوة الشقوة
كيف القدوم على الجبار بالزلل أم كيف ألقاه من دون ما عمل
قلبي لما يلقاه قد أن بالشكوى دمعي جفا عيني من قلة التقوى
لكن من أرجوه لا يغلق الباب العفو يا رباه فالقلب قد تاب
أي سعادة يطلبون بالشهوات؟ إن كان أولها حسرة وندامة وآخرها مذلة وهوان فماذا يريدون؟
التوبة والرجوع إلى الله تعالى
بعض الدعاة ذهبوا إلى بلد من البلاد.. اسمعوا إلى هذه العبر واعتبروا من غيركم.. يحدثني أحد الدعاة عن مجموعة من الدعاة سافروا إلى إحدى الدول الغربية، فلما أتوا إلى مسجد من المساجد، وأخذوا يصلون في المسجد، سألوا الإمام: أتعرف أحد المسلمين حول المسجد وهو لا يصلي؟ فقال لهم: نعم! أعرف جاراً للمسجد وهو من إحدى الدول العربية بل الخليجية، مسلم لكنه لم يأت إلى المسجد يوماً من الأيام.
قال لهم: إنه من أغنى الأغنياء، عنده ملايين، فاذهبوا إليه ربما يهديه الله، يقول الداعية: فذهبنا إليه وطرقنا الباب، فلم يأت، واستمر أحدنا يدق عليه الجرس لعله يخرج، وانتظرنا مدة من الزمن حتى خرج عابس الوجه مكفهراً، قال: ماذا تريدون؟ قالوا بعد أن سلموا عليه: نحن إخوانك جئنا نزورك في الله، قال: وماذا تريدون؟ قالوا: نريد زيارتك، لا نريد إلا وجه الله، قال: وبعد ذلك ماذا تريدون؟ قالوا: نطلب منك أن تأتينا إلى المسجد، قال: إن شاء الله، اذهبوا إلى المسجد وأنا أدرككم، قالوا: لا. انظر إلى الداعية المصر.. الداعية النشيط، صاحب الهمة العالية، قالوا: لن نبرح من هذا المكان حتى تأتي معنا، قال: اذهبوا وسوف أتوضأ وآتيكم، قالوا: نحن منتظرون.
سبحان الله! قال: أقول لكم: سوف آتي، قالوا: لن نبرح من هذا المكان حتى تأتينا، قالوا: فذهب ورجع بعد قليل، وقد بدل ملابسه وجاء متوضئاً، وذهب معهم إلى المسجد، وقال: أصلي وأرجع، فلما صلى قام أحد الدعاة.. أيها الدعاة! انظروا إلى الصادقين المتقين، ما الذي يمنعكم عن هذا الفعل، يقول: وبعد الصلاة جلس، فسمع بعض الآيات والأحاديث وبعض العبر، كان يريد الذهاب ولكن الحديث الجميل أجلسه، وبعد أن أنهى الشيخ كلامه نظروا إليه فإذا عيناه تذرفان، فجلس معهم وقال: أين تذهبون؟ وإلى أي مكان تغادرون؟ قالوا: نحن نتجول في المساجد، من مسجد إلى آخر ندعو إلى الله عز وجل، قال: أنا أريد أن أذهب معكم.. ما هي الشروط؟ قالوا: لا شروط، تعال واذهب معنا، وفعلاً ذهب معهم، ومرت الأيام حتى أصبح هذا الضال قاسي القلب، من الدعاة إلى الله عز وجل، وسخر ملايينه كلها في الدعوة إلى الله، ومرت الأيام فقال هذا الرجل للشيخ ذات يوم: يا شيخ! أتذكر ذلك اليوم الذي أتيتم فيه إلى منزلي؟ قال: نعم. قال: أتدري ماذا كنت أفعل؟ قال: لا. وما يدريني! قال: كنت في ذلك اليوم قد ضاقت عليّ الدنيا جميعها، ملايين لكن الدنيا أظلمت، تعاسة وهم وغم، كنت واضعاً كرسياً في إحدى الغرف، ووقفت على الكرسي وعلقت الحبل في السقف وربطت الحبل في عنقي، وهممت بدفع الكرسي لأسقط، وفعلاً دفعت الكرسي لكنه لم يسقط، فسمعت الجرس، فقلت في نفسي: هل أرد على الباب أو أنتهي من الدنيا؟ فقالت لي نفسي: انتهِ من الدنيا، وجاءني مناد في قلبي يقول لي: لا. رد على صاحب الباب فربما تجد شيئاً من الأمل، فدفعت الكرسي لكنه لم يسقط، فقلت: أنزل فأرد على الباب ثم أرجع فأنتحر.. فيقول: أرأيت إنها ثوان معدودة أرسلكم الله عز وجل إليَّ، ولو لم تأتوا إليّ في ذلك اليوم، لانتحرت وساءت خاتمتي. أتعرف لماذا أراد الانتحار؟ لأن الله عز وجل يقول: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً [طه:12].
هذه القصة تذكرني بحديث النبي صلى الله عليه وسلم لما زار جاره اليهودي الذي كان من أشد الناس عداوة له، زاره قبل الموت ودعاه إلى الله عز وجل فأسلم.. أين الدعاة؟ أين المصلحون؟ لِمَ تسوف؟ لِمَ تقول: غداً أدعوهم.. غداً أذكرهم؟ وهل تضمنهم أن يعيشوا إلى الغد؟ لماذا الكسل والفتور؟ لِمَ لا نقبل على الناس فندعوهم إلى الله عز وجل؟
أحد الدعاة يحدث بنفسه يقول: كنت في أمريكا في إحدى المحاضرات، وفي منتصف المحاضرة قام أحد الناس فقطع عليّ حديثي -اثنان من المسلمين معهم أمريكي ثالث- فقالوا لي: يا شيخ! انتظر لقن فلاناً الشهادتين، فقلت: الله أكبر! يريد أن يسلم، فقالوا: نعم. يقول: فاقترب مني، فقال الشيخ للأمريكي: ما الذي حببك إلى الإسلام فأردت أن تدخله؟ لِمَ تريد الدخول في الإسلام وأنت ترى المسلمين؟ فقال له: يا شيخ! أنا أملك ثروة هائلة، وعندي شركات وأموال، أنا مليونير ولكن لم أشعر بالسعادة يوماً من الأيام.
يقول: وكان عندي موظف في شركتي هندي مسلم، هذا الموظف متواضع بسيط، معاشه قليل، والغريب أنني كلما دخلت على هذا الموظف رأيته مبتسماً، وأنا صاحب الملايين لم أبتسم يوماً من الأيام، فقلت في نفسي: كيف هذا؟ أنا عندي الأموال، وأنا صاحب الشركة، والموظف الفقير يبتسم وأنا لا أبتسم، يقول: فجئته يوماً من الأيام، فقلت له: أريد الجلوس معك. قال: تفضل! الرئيس يجلس مع الموظف، فقلت له: أسألك سؤالاً: لماذا أراك دائماً في ابتسام؟ لم أرك يوماً مهموماً! فقال له: لأنني مسلم (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله). فقال له: وهل يعني ذلك أن المسلم طوال أيامه سعيد؟
قال: نعم. قال: وكيف ذلك؟ قال: لأننا سمعنا حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: أي حديث! أخبرني به؟ قال: حديث يقول فيه النبي عليه الصلاة والسلام: (عجباً لأمر المؤمن! إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له، وإن أصابه سراء شكر، فكان خيراً له ) قال: فأمورنا كلها سراء وضراء، أما الضراء فهي صبر لله، وأما السراء فهي شكر لله، حياتنا كلها سعادة في سعادة.
قال: أريد أن أدخل في هذا الدين. قال: اشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، قال الشيخ أمام الملأ وهو يتكلم بنفسه: فقلت له بعد هذا: اشهد الشهادتين، ولقنته، فقال أمام الملأ: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم انفجر يبكي أمام الناس، فجاء الذين عنده يريدون التخفيف عنه، فقلت لهم: دعوه يبكي، فلما انتهى من البكاء، قلت له: يا فلان! ما الذي أبكاك؟ قال لي: يا شيخ! والله لقد دخل في صدري فرح لم أشعر به منذ سنوات.
قال الله تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ [الزمر:22] إن انشراح الصدر لا يكون بالمسلسلات ولا بالأفلام ولا بالشهوات ولا بالأغاني، كل هذه تأتي بالضيق، إن انشراح الصدر بتلاوة القرآن آخر الليل.. إن انشراح الصدر بصيام الإثنين والخميس.. إن انشراح الصدر بالصدقات والنفقات: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر:22].......
http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=FullContent&audioid=26943#27155
عناصر الموضوع:
1 عاقبة الشهوة
2 التوبة والرجوع إلى الله تعالى
3 السعادة الحقيقية ليست في المال
4 الانترنت وخطورته
5 أي الخاتمتين تريد؟
6 أثر الدعاء
7 قصة من الشيشان
8 هذا زرعك وهذا حصادك
قصص من الواقع
إن أسلوب القصص له أثره العظيم في قلوب الناس، لذلك قد يتأثروا بالقصة ما لا يتأثرون بغيرها، والشيخ في هذا الدرس قد ذكر عدداً من القصص متنوعة المواضيع، فذكر قصصاً تبين عاقبة الشهوة، من الإصابة بالأمراض المستعصية، والانتكاسة بعد التدين، وذكر قصة تدل على أن السعادة ليست في المال، وقصصاً في التوبة إلى الله تعالى، ثم ذكر قصصاً تبين الخاتمة الحسنة من السيئة، وأخرى تبين أثر الدعاء، وختمها بقصة تبين أهمية تربية الأولاد.
عاقبة الشهوة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها الإخوة الكرام: حياكم الله في هذا المجلس، وأسأل الله جل وعلا كما جمعنا في هذا المكان الطيب أن يجمعنا في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وأسأل الله جل وعلا أن يجعل هذا الاجتماع اجتماعاً مرحوماً، ويجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً.
أيها الإخوة الكرام: عنوان هذا الدرس (قصص من الواقع).
ولن تجدوا في كلمتي هذه القصص مرتبة، بل سوف أنوع القصص وأنتقل بكم يمنة ويسرة، من كل بستان نقطف زهرة.. قصص بعضها مؤلمة، وبعضها مفرحة.. قصص قد تصعد بنا وتنزل.. قصص اخترتها من واقع الحياة، بعضها قرأتها، وبعضها سمعتها، وبعضها تلقيتها من أصحابها مباشرة، فإليكم هذه القصص، ولست من القصاصين الذين قد ذمهم بعض السلف ؛ لأن أولئك القصاصين كانوا ينسبون القصص لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
أما حديثنا اليوم فإنه مليء بالآيات، وبأحاديث المصطفى عليه الصلاة والسلام، فإياك أن تقول: إن المجلس فارغ، ليس فيه إلا القصص، بل قد ملأته بالآيات والأحاديث والعبر، فهل لهذه القصص من معتبر؟!
إلى أصحاب الشهوات.. إلى الذين لا يفكرون إلا بفروجهم ليلاً ونهاراً، إن جاء الصيف جمعوا المال وسافروا إلى بعض البلاد والديار، ليفعلوا ما يفعلوا، وليصنعوا ما يريدون من الشهوات، إلى أولئك أحدثهم بهذه القصة.......
الإصابة بالأمراض المستعصية
هذا شاب يقول عن نفسه في آخر حياته: بعد أن أنهيت الثانوية -ونحن الآن في هذا الجو الذي قد انتهى فيه البعض من الثانوية- جاءني أحد رفقاء السوء فقال لي: يا فلان! أتحب السفر معنا؟ قلت: إلى أين؟ قال: إلى تلك البلاد الآسيوية.. بلاد آسيوية فيها المنكر والفساد، جهاراً نهاراً بأبخس الأثمان، فقلت: كيف؟ قالوا: اطلب من أبيك المال، وسافر معنا والأمر بسيط، أياماً معدودات ثم نرجع، قال: فجئت إلى أبي.. وانظروا إلى أبيه الغافل، وكم غفل بعض الآباء عن أبنائهم.
فقال: يا أبي! قد نجحت في الثانوية، وحصلت على التقدير العالي، وأريد مكافأةً؟ قال: ماذا تريد؟ قال: أريد مالاً؛ لأذهب وأسافر مع أصحابي. فقال الأب: إلى أين؟ قال: إلى تلك البلاد، قال: لا بأس، فأعطاه المال، قال: فسافرت لأول مرة، فذهبنا إلى تلك البلاد، والغريب أنني رأيت شباباً من أبناء بلادنا دخلوا أماكن حمراء.. أماكن مظلمة.. أماكن فيها الفساد والشهوات، يفعلون الفواحش والمنكرات، فدخلت معهم، وفعلت ما لم أظن أنني أفعله في حياتي يوماً من الأيام، صنعت المنكرات، وفعلت الفواحش، وأتيت الشهوات، يقول: فتلذذت مرة بعد الأخرى، حتى رجعت إلى بلادي فاشتقت إلى الرجوع، فأخذت من أبي مالاً مرة أخرى.. وهكذا توالت السفرات بعد السفرات، حتى وقعت في وكر المخدرات.
يقول: فلما نفدت الأموال، بدأت أسرق الأموال؛ لأسافر إلى تلك البلاد، السفر صار في دمي، والمخدرات تجري في عروقي، ومرت الأيام والسنون، حتى جاء ذلك اليوم -اسمع ما الذي حدث؟- يقول: أحسست بإعياء شديد، فسقطت على الفراش، فذهب بي أصحابي إلى الطبيب، وبعد التحاليل والفحوصات، جاءني الطبيب يفاجئني، وقال: يا فلان! إن الأمر صعب، قال: أخبرني يا طبيب. قال: بعد التحاليل اكتشفنا في الدم أنك مصاب بفيروس الإيدز.
يقول: فكأن الدنيا قد أظلمت أمامي، أحلامي تبددت، وضاقت علي الأرض بما رحبت.
أيها الطبيب! ربما أخطأتم، قال: سنعيد الكرة، فأعادوا التحليل مرة أخرى، لكن النتيجة هي النتيجة، يقول: ذهبت إلى طبيب آخر وإلى مستشفى آخر، ولكن النتيجة هي النتيجة، ثم رجعت إلى بلادي مسود الوجه، قد أظلمت الدنيا أمامي، يقول: وأنا الآن أكتب إليكم قصتي وأنا على فراش الموت أنتظر الموت!!
أتعرف ما الذي يحصل؟ إن الإيدز أوله فضيحة وعار، وتمر به الأيام وهو على الفراش ملقى ثم يبدأ بعد هذا تنهار قواه، ثم يصاب بشلل في الجسم؛ لأن الفيروس يصيب المخ، وتمر به الأيام حتى يصير على الفراش ملقى لا يستطيع أن يقضي حاجته بنفسه.
أرأيت أين المتعة والشهوة؟ أين السهرات؟ أين الفتيات؟ أين السفرات؟ كلها قد ذهبت، وهو الآن على الفراش لا يقرب منه أحب الناس إليه، كل الناس قد هربوا منه، يخافون أن ينتقل المرض إليهم، فإذا ذكروا فلاناً اسود وجه أبيه، وأظلمت الدنيا في عين أمه، وبكوا ودمعت أعينهم، ابنهم على الفراش ينتظر الموت، ثم تمر به الأيام، فيذهب شيء من عقله، فيصاب بالجنون، ثم يأتيه ألم شديد، يأخذه من رأسه إلى رجله، وربما يظل على هذه الحال سنة أو سنتين، يتمنى الموت ولا يموت.. يتمنى الموت ولا يدركه، ثم يتعذب سنيناً أو شهوراً على هذه الحال، ثم يقبض الله عز وجل روحه.
تفنى اللذاذة ممن ذاق صفوتها من الحرام ويبقى الإثم والعار
تبقى عواقب سوء في مغبتها لا خير في لذة من بعدها النار
إحدى البلاد العربية لما زرتها سألت أهلها: لماذا يسمح أهل هذا البلد بالفجور وبالمومسات؟ هذا الأمر مفتوح في تلك البلاد بقوانين رسمية، الخمور والممومسات في بعض الفنادق موجودة، فسألتهم: ألا يوجد عندكم الإيدز؟
فقالوا لي: إن الإيدز منتشر، لكن الإحصائيات يُكتم عليها، حتى أخبرني أحد الذين يعملون بالصحة، قال: عندنا أعداد ضخمة ممن يصابون بالإيدز، ولكنها تكتم ولا تصل إلى عامة الناس، قلت لهم: أتعرفون أشخاصاً بأعينهم؟ قالوا: نعرف رجلاً كبيراً في السن متزوجاً وعنده أبناء، رجل مستقيم، لكن لحظة من حياته غلبته شهوته، ففكر في السفر، ولم يسافر في حياته إلا أياماً قليلة ثم رجع وتاب، يقولون: مرت الأيام ولكن تلك السفرة كانت سبباً في إصابته بالإيدز، فعولج ثم هلك في المستشفى، يقولون: الأغرب من هذا أن زوجته كانت من الصالحات، وهي مستقيمة، وبعد أن توفي زوجها بأشهر اكتشفوا في دمها فيروس الإيدز، والزوجة صالحة ومتدينة.. من الذي قتلها؟ من الذي أجرم بحقها؟ من الذي أوصلها إلى هذا الحال؟
إن هذه المرأة المتدينة لم تكن تعرف للحرام طريقاً.. من المجرم؟ إنه الزوج.
فقالوا لها: أتحبين العلاج لنذهب بكِ إلى أي بلاد شئت؟
قالت: لا والله، لن أموت إلا على سجادتي وأنا أصلي بين يدي ربي جل وعلا، وفعلاً مرت شهور وماتت الزوجة في بيتها، محتسبة صابرة.
الانتكاسة وترك التدين
اسمع إلى هذا الشاب.. وأنا أحذركم من مثل هذه القصة، إنها من أخطر القصص وأسوئها، وهذه حدثت قبل سنين عديدة.
كان شاب يسافر في إحدى السفن التي تذهب للتجارة، وكان إماماً يقرأ القرآن، ويؤذن في الناس ويصلي بهم، واسمع ما الذي حدث له من الشهوات وما أدراك ما الشهوات! يقولون: مرت الأيام حتى نزلوا عند إحدى البلاد الغير إسلامية، ليفرغوا حمولتهم ويأتوا بحمولة أخرى، فذهب كل منهم إلى طريقه.. أسبوعاً كاملاً سوف تبقى السفينة عند هذا المرسى، فجاء رجل من أصحاب السوء، فوجد الشاب الصالح لم يفارق السفينة، فقال له: يا فلان! انزل معنا نتجول في البلاد، فقال: لا. أنا أريد أن أجلس أقرأ القرآن حتى تنتهي المدة، قالوا له: انزل فربما ترى شيئاً تشتريه لأولادك،فنزل وذهب يتجول معهم في الأسواق والشوارع.. ينظر إلى الغادين والرائحين.. إلى النساء السافرات.. إلى المتبرجات، هذه قد كشفت ساقها، وتلك فخذيها، وهذه شيئاً من صدرها، فأخذ يلتفت يمنة ويسرة!
أين القرآن؟ أين الأذان؟ أين الصلاة؟ أين العبادة؟ كلها قد نسيها، أخذ ينظر إلى الفتيات يوماً بعد آخر، فذهب به صاحب السوء، وقال له: أتريد أن نذهب إلى أماكن تسمى أماكن الخنا. قال: أعوذ بالله! قال: لن نفعل شيئاً، إنما نرى هل الأمر حقيقة أم خيالاً! وفعلاً ذهب وأخذ ينظر إلى الناس، ومرت الأيام فإذا بالشاب يدخل معهم فيفعل ما يفعل غيره.
أين القرآن؟ أين الصلاة؟ أين الأذان؟ أين قول الله: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً [الإسراء:32] أخذ يفعل المنكرات، ولما حان الرحيل قال قائد السفينة: أين فلان؟ قالوا: لن يسافر معنا.. فلان إمامنا، الصالح فينا أين هو؟ قالوا: سوف يسوؤك الأمر، قال: لا بد أن تخبروني، قالوا: إنه في أماكن الدعارة والخنا، فقال قائد السفينة: لا بد أن نذهب إليه، فذهب إليه ينصحه، فقال: لن أذهب معكم، سوف أعيش في هذه البلاد، فأخذه قائد السفينة رغماً عنه، وحمله بعد أن قيده وألقاه في السفينة.
وعندما مشينا في البحر وحان وقت الصلاة أذن المؤذن فلم يأت للصلاة معنا، إنما جلس في الغرفة وأغلق الباب على نفسه، نناديه فلا يصلي.. نحثه للصلاة وهو لا يريد أن يصلي.. يقول: حتى جئته يوماً من الأيام، ونحن في وسط البحر، فقلت له: أما تخاف الله؟ أما تتقي الله عز وجل؟ كنت إمامنا.. كنت تؤذن للصلاة فينا، وأنت الآن لا تصلي! فقال: اذهب، أنا أريد الرجوع إلى تلك البلاد. قال: ولِمَ؟ قال: حياتي ليست معكم، أنا أتحسر أنني ضيعت حياتي معكم في الصلاة والقرآن.. انظر ماذا يقول؟ قال: فاستعذت بالله منه، ودعوت الله عز وجل أن ينجينا من شره، واكتشفنا بعد أيام أنه مصاب بمرض جنسي، فابتعدنا عنه وهجرناه، ومرت الأيام حتى جاءت تلك الليلة، فسمعنا صوتاً في آخر الليل، ما الذي حصل آخر الليل؟
آخر الليل عندما ينزل الرب إلى السماء الدنيا نزولاً يليق به جل وعلا: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11] نزولاً حقيقياً لكن ليس كنزول غيره، ينزل الرب فيقول: هل من سائلٍ فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟
يقول قائد السفينة: سمعنا صياحاً شديداً آخر الليل، فقمنا من الفرش، واتجهنا نحو الصوت، أتعرف ماذا رأوا؟ يقول: رأينا الرجل الشاب الذي كان إماماً يصلي بالناس يعض على خشبة في السفينة ويصرخ، فإذا به بعد قليل سكت وهدأ، فجئنا لنوقظه، فإذا هو قد فارق الحياة الدنيا، وقد قطع بأسنانه شيئاً من خشبة السفينة!!
أي ألم أصابه؟ أي عذاب تعذب به؟ أي خاتمة ختم له بها، هذا جزاء الشهوات.. تلك نهاية الملذات، إن اللذة قصيرة كاذبة وإن الشهوات اليوم سهلة، وإن كل الناس اليوم يستطيعون بأموالهم أن يفعلوا ما يشاءون من الزنا والخنا وشرب الخمور؛ ولكن تخيل: يأتي يوماً من الأيام بعض العصاة إلى الطبيب، بعد أن أصابه المرض، والطبيب يقول له: يا فلان! إن الأمر سيئ، أخبرني يا طبيب! فيقول له: إنك مصاب بمرض الإيدز، إنه الموت البطيء.. إنه الانتحار البطيء، لا فكاك ولا مفر، فضيحة وعار وشنار، ثم سوء ختام، تخيل أولئك العصاة! أتعرف كم هم؟ إنهم ملايين -الآن- على وجه الأرض ينتظرون الموت.. يبحثون عن الدواء والشفاء، لا دواء، ولا شفاء، كل منهم يبكي على فراشه ينتظر الموت، وأين الموت منهم؟ يقول أحد الشعراء:
يا عين فلتبكي ولتذرفي الدما ذنباً أحاط القلب أصغ له سمعا
أين الدموع على الخدين قد سالت فالنفس للعصيان يا رب قد مالت
فيا ترى أصحو من سكرة الشهوة أم يا ترى أبقى في هوة الشقوة
كيف القدوم على الجبار بالزلل أم كيف ألقاه من دون ما عمل
قلبي لما يلقاه قد أن بالشكوى دمعي جفا عيني من قلة التقوى
لكن من أرجوه لا يغلق الباب العفو يا رباه فالقلب قد تاب
أي سعادة يطلبون بالشهوات؟ إن كان أولها حسرة وندامة وآخرها مذلة وهوان فماذا يريدون؟
التوبة والرجوع إلى الله تعالى
بعض الدعاة ذهبوا إلى بلد من البلاد.. اسمعوا إلى هذه العبر واعتبروا من غيركم.. يحدثني أحد الدعاة عن مجموعة من الدعاة سافروا إلى إحدى الدول الغربية، فلما أتوا إلى مسجد من المساجد، وأخذوا يصلون في المسجد، سألوا الإمام: أتعرف أحد المسلمين حول المسجد وهو لا يصلي؟ فقال لهم: نعم! أعرف جاراً للمسجد وهو من إحدى الدول العربية بل الخليجية، مسلم لكنه لم يأت إلى المسجد يوماً من الأيام.
قال لهم: إنه من أغنى الأغنياء، عنده ملايين، فاذهبوا إليه ربما يهديه الله، يقول الداعية: فذهبنا إليه وطرقنا الباب، فلم يأت، واستمر أحدنا يدق عليه الجرس لعله يخرج، وانتظرنا مدة من الزمن حتى خرج عابس الوجه مكفهراً، قال: ماذا تريدون؟ قالوا بعد أن سلموا عليه: نحن إخوانك جئنا نزورك في الله، قال: وماذا تريدون؟ قالوا: نريد زيارتك، لا نريد إلا وجه الله، قال: وبعد ذلك ماذا تريدون؟ قالوا: نطلب منك أن تأتينا إلى المسجد، قال: إن شاء الله، اذهبوا إلى المسجد وأنا أدرككم، قالوا: لا. انظر إلى الداعية المصر.. الداعية النشيط، صاحب الهمة العالية، قالوا: لن نبرح من هذا المكان حتى تأتي معنا، قال: اذهبوا وسوف أتوضأ وآتيكم، قالوا: نحن منتظرون.
سبحان الله! قال: أقول لكم: سوف آتي، قالوا: لن نبرح من هذا المكان حتى تأتينا، قالوا: فذهب ورجع بعد قليل، وقد بدل ملابسه وجاء متوضئاً، وذهب معهم إلى المسجد، وقال: أصلي وأرجع، فلما صلى قام أحد الدعاة.. أيها الدعاة! انظروا إلى الصادقين المتقين، ما الذي يمنعكم عن هذا الفعل، يقول: وبعد الصلاة جلس، فسمع بعض الآيات والأحاديث وبعض العبر، كان يريد الذهاب ولكن الحديث الجميل أجلسه، وبعد أن أنهى الشيخ كلامه نظروا إليه فإذا عيناه تذرفان، فجلس معهم وقال: أين تذهبون؟ وإلى أي مكان تغادرون؟ قالوا: نحن نتجول في المساجد، من مسجد إلى آخر ندعو إلى الله عز وجل، قال: أنا أريد أن أذهب معكم.. ما هي الشروط؟ قالوا: لا شروط، تعال واذهب معنا، وفعلاً ذهب معهم، ومرت الأيام حتى أصبح هذا الضال قاسي القلب، من الدعاة إلى الله عز وجل، وسخر ملايينه كلها في الدعوة إلى الله، ومرت الأيام فقال هذا الرجل للشيخ ذات يوم: يا شيخ! أتذكر ذلك اليوم الذي أتيتم فيه إلى منزلي؟ قال: نعم. قال: أتدري ماذا كنت أفعل؟ قال: لا. وما يدريني! قال: كنت في ذلك اليوم قد ضاقت عليّ الدنيا جميعها، ملايين لكن الدنيا أظلمت، تعاسة وهم وغم، كنت واضعاً كرسياً في إحدى الغرف، ووقفت على الكرسي وعلقت الحبل في السقف وربطت الحبل في عنقي، وهممت بدفع الكرسي لأسقط، وفعلاً دفعت الكرسي لكنه لم يسقط، فسمعت الجرس، فقلت في نفسي: هل أرد على الباب أو أنتهي من الدنيا؟ فقالت لي نفسي: انتهِ من الدنيا، وجاءني مناد في قلبي يقول لي: لا. رد على صاحب الباب فربما تجد شيئاً من الأمل، فدفعت الكرسي لكنه لم يسقط، فقلت: أنزل فأرد على الباب ثم أرجع فأنتحر.. فيقول: أرأيت إنها ثوان معدودة أرسلكم الله عز وجل إليَّ، ولو لم تأتوا إليّ في ذلك اليوم، لانتحرت وساءت خاتمتي. أتعرف لماذا أراد الانتحار؟ لأن الله عز وجل يقول: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً [طه:12].
هذه القصة تذكرني بحديث النبي صلى الله عليه وسلم لما زار جاره اليهودي الذي كان من أشد الناس عداوة له، زاره قبل الموت ودعاه إلى الله عز وجل فأسلم.. أين الدعاة؟ أين المصلحون؟ لِمَ تسوف؟ لِمَ تقول: غداً أدعوهم.. غداً أذكرهم؟ وهل تضمنهم أن يعيشوا إلى الغد؟ لماذا الكسل والفتور؟ لِمَ لا نقبل على الناس فندعوهم إلى الله عز وجل؟
أحد الدعاة يحدث بنفسه يقول: كنت في أمريكا في إحدى المحاضرات، وفي منتصف المحاضرة قام أحد الناس فقطع عليّ حديثي -اثنان من المسلمين معهم أمريكي ثالث- فقالوا لي: يا شيخ! انتظر لقن فلاناً الشهادتين، فقلت: الله أكبر! يريد أن يسلم، فقالوا: نعم. يقول: فاقترب مني، فقال الشيخ للأمريكي: ما الذي حببك إلى الإسلام فأردت أن تدخله؟ لِمَ تريد الدخول في الإسلام وأنت ترى المسلمين؟ فقال له: يا شيخ! أنا أملك ثروة هائلة، وعندي شركات وأموال، أنا مليونير ولكن لم أشعر بالسعادة يوماً من الأيام.
يقول: وكان عندي موظف في شركتي هندي مسلم، هذا الموظف متواضع بسيط، معاشه قليل، والغريب أنني كلما دخلت على هذا الموظف رأيته مبتسماً، وأنا صاحب الملايين لم أبتسم يوماً من الأيام، فقلت في نفسي: كيف هذا؟ أنا عندي الأموال، وأنا صاحب الشركة، والموظف الفقير يبتسم وأنا لا أبتسم، يقول: فجئته يوماً من الأيام، فقلت له: أريد الجلوس معك. قال: تفضل! الرئيس يجلس مع الموظف، فقلت له: أسألك سؤالاً: لماذا أراك دائماً في ابتسام؟ لم أرك يوماً مهموماً! فقال له: لأنني مسلم (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله). فقال له: وهل يعني ذلك أن المسلم طوال أيامه سعيد؟
قال: نعم. قال: وكيف ذلك؟ قال: لأننا سمعنا حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: أي حديث! أخبرني به؟ قال: حديث يقول فيه النبي عليه الصلاة والسلام: (عجباً لأمر المؤمن! إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له، وإن أصابه سراء شكر، فكان خيراً له ) قال: فأمورنا كلها سراء وضراء، أما الضراء فهي صبر لله، وأما السراء فهي شكر لله، حياتنا كلها سعادة في سعادة.
قال: أريد أن أدخل في هذا الدين. قال: اشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، قال الشيخ أمام الملأ وهو يتكلم بنفسه: فقلت له بعد هذا: اشهد الشهادتين، ولقنته، فقال أمام الملأ: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم انفجر يبكي أمام الناس، فجاء الذين عنده يريدون التخفيف عنه، فقلت لهم: دعوه يبكي، فلما انتهى من البكاء، قلت له: يا فلان! ما الذي أبكاك؟ قال لي: يا شيخ! والله لقد دخل في صدري فرح لم أشعر به منذ سنوات.
قال الله تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ [الزمر:22] إن انشراح الصدر لا يكون بالمسلسلات ولا بالأفلام ولا بالشهوات ولا بالأغاني، كل هذه تأتي بالضيق، إن انشراح الصدر بتلاوة القرآن آخر الليل.. إن انشراح الصدر بصيام الإثنين والخميس.. إن انشراح الصدر بالصدقات والنفقات: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر:22].......
http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=FullContent&audioid=26943#27155