طلحة الدهلوي
04-09-2007, 04:08 AM
قليل من التخطيط .. كثير من الإبداع!
إن الأهداف إن لم تكن مكتوبة ومسجلة ومتابعة فإنها ستكون مجرد هواجس وآمال لا يلبث الإنسان أن ينساها أو يتناساها.
تُغفل الثقافة العربية وموروثات الفكر العربي تحديد الأهداف والغايات لكافة خطوات الحياة، فلا تمارس تلك الثقافة إلا بِنسب هي الأقل على مستوى العالم قاطبة، سواء كانت تلك الأهداف أهدافاً استراتيجية أم أهدافا ثانوية، فالكل يسير في هذه الحياة ويردد الكلمة المشهورة "خليها على الله"، متناسين أن نهجنا وديننا الإسلامي يقوم على التوازنات فالحديث الشريف، عن عقل الناقة ثم الاتكال على الله، من أهم مبادئ المنهج الإسلامي والمنهاج الديني وعمل الخطوات التي يجب أن تتبع للوصول إلى الأهداف أحد أهم سبل التأصيل الفقهي في رسالة محمد ـ عليه أفضل الصلاة والسلام.
ولكننا في العالم العربي لا نمارس تلك السياسة، إما بسبب جهل يعترينا وإما تكاسلاً ران على إبداعاتنا وهممنا وأهدافنا. كلنا بلا استثناء لا نرسم لحياتنا أهدافا وغايات، سواء كانت تلك الأهداف طويلة الأجل أم متوسطة أو قصيرة، وسواء كانت تلك الأهداف اجتماعية أو اقتصادية أو دينية أو على مستوى تطوير الذات، تسير حياتنا على عواهنها وعلى التنجيم وعلى ترك الحبل على الغارب وعلى سياسة "يدبرها ربك".
سألت أكثر ممن ألتقيهم أو ألقي عليهم دورات تدريبية في مجال التخطيط ورسم الأهداف وتحديد خارطة واضحة لحياة كل منا، فأجد العجب العجاب في الإجابات التي تصلني من كافة المشاركين. فتجد أحسن الإجابات في هذا الخصوص تقوم على "نعم لدي أهداف ولكنها في مخيلتي أو في ذاكرتي..."، ثم يستطرد قائلاً أعرفها جيداً ولكني لا أكتبها.
وكل هذا في العرف التنظيمي والتخطيطي عند أساطين الإدارة وعلمائها يصب في العمل اللا منهجي ومن الأمور التي لا تسمن ولا تغني من جوع، بل هو رسم في أمواج البحر وتدوين في رمال الصحراء.
إن الأهداف إن لم تكن مكتوبة ومسجلة ومتابعة ويقوم الفرد منا بعمل وقت وزمن لها، ومن ثم يقوم بمراجعة تلك الأهداف بشكل أسبوعي وشهري وسنوي وتقييم المنجز منها والمتعثر، وعمل الأسباب التي حالت دون تحقيق الأهداف، وتحديد النسب بين ما تحقق فعلياً، وما هو مراد إنجازه، فإن الأهداف ستكون مجرد هواجس وآمال لا يلبث الإنسان أن ينساها أو يتناساها لعدم وجود الممارسة والتسجيل والمتابعة والشعور بتحقيق النجاح المرة تلو الأخرى.
إن مشكلتنا ومشكلة أسرنا في العالم العربي تقوم على التلقين التلقائي والموروث من عشرات السنين، وترديد جمل لا تدفع بعملية التقدم والإبداع والمضي قدماً نحو تحقيق الأهداف إلا كالدفع بالاتجاه المعاكس، وتدور تلك الجمل عادة في فلك "لا تنس الأكل، لا تنس لبس الثياب، لا تنس المذاكرة، لا تنس الصلاة"، وهي في مجملها حسنة وجيدة، ولكن لماذا لا نربي أولادنا على وضع الخطط والأهداف شيئاً فشيئاً؟ لماذا لا نبني عندهم ثقافة رسم وتحديد الأهداف في حياتهم؟ كأن نقول للطفل اكتب ماذا تريد عندما يكون عمرك عشر سنوات، وخمسة عشر، وعند تخرجك في الجامعة وبعد الزواج! وعند قدوم الأولاد، وعند توليك المنصب الخاص أو الحكومي؟ وما أهدافك الإنسانية؟ وأهدافك المالية ؟ وأهدافك الاجتماعية؟ ثم نراجع سوياً مع الطفل تلك الأهداف كل ثلاث سنوات ونحللها ونقيمها حتى يستطيع أن يمارس تلك الثقافة ويعايشها ومن ثم تجري في عروقه وتصبح ممارسته لها جزءا من تكوينه الثقافي وتأطيره الاجتماعي.
لماذا لا تمارس المدارس الابتدائية والمتوسطة وحتى الثانوية هذا الدور، وتُقر مواضيع تقوم على رسم وتحديد الأهداف في الحياة على كافة الصعد؟
إنه لأمر حسن، وسيجني المجتمع والفرد الخير الكثير من ممارسة تلك الثقافة متى ما قمنا على تفعيلها والحث عليها. كم من أناس أخفقوا وتاهوا في الطرقات ولم يجدوا حياتهم ولا أهدافهم فتخبطوا في مفترقات الطرق ومراحل اتخاذ القرار المفاجئ وتحديد الوجهة الاستراتيجية لأنهم لم يمارسوا ذلك المفهوم؟
الزوج والزوجة لا يشتركان في وضع الأهداف. سألت إحدى المتدربات عن أهدافها مع زوجها وتربية أولادها، فقالت أن نوفر للأولاد الأكل والمسكن والملبس الحسن، فابتسمت وقلت هذا جيد، ولكن ماذا عن الأهداف الاجتماعية والاقتصادية والتطويرية، كبناء وتأسيس الأطفال على المشاركة ولغة الحوار، والقيام بأعمال الخير وبذل المعروف، وأيضاً إعطائهم الجرعات الكافية لتحمل مسؤوليات الحياة والقدرة على اتخاذ القرار وقت الحاجة، وتأسيسهم على القيام بعمل الخطط والأهداف لحياتهم المستقبلية، وممارسة ثقافة التوفير والعمل الجاد واحترام العمل والإيمان بالله والتوكل عليه؟
كل هذه وغيرها كثير يجب أن يتفق الزوجان عليها عند إنجاب الأبناء، ويعملون عليها يوما بيوم، وشهراً بشهر، وسنة بسنة، لأن تربية الأولاد وتحديد الأهداف لهم ومساعدتهم ورسم الخطط وتأسيسها وغرسها فيهم من أهم مراتب الضرورة، وفي ظني أنها تأتي بمرتبة تسبق السكن والملبس والطعام.
كُل الأسر السعودية وبلا استثناء أو جلها ـ حتى لا نمارس لغة التعميم ـ تقوم تربيتها لأبنائها بتلبية الاحتياجات الكمالية والاستهلاكية من أجهزة وطعام وخلافها، ولكنها تهمل جانباً خطيراً وحيوياً واستراتيجياً يقوم على بناء الفرد وتأسيسه تأسيساً عمليا وعلمياً ومنهجياً من خلال غرس مبادئ الإقبال على الحياة بلغة وقراءة منهجية ومدروسة ومخططة، حتى لا يتيه في ساحة الحياة القاسية، وحتى لا تقوم حياته على مبدأ الصدفة والتجارب والعشوائية والتخبط، بل حياة تقوم على المنهجية والفكر الواعي والتخطيط السليم وتقويض الفوارق ومساحات الأخطاء عندما تكون الحياة مرسومة بشكل سليم وواضح.
وتشير قصة (المعجزة المعكوسة) إلى أن هناك رجلا أتى إلى رجل آخر يستشيره، فصاحب هذه (المعجزة المعكوسة) لا يضع يده على الذهب إلا ويتحول تراباً، فسأله المستشار عن رأسماله، فتبين أنه قد ورث من أبيه مبلغا كبيرا جدّا من المال، وهو إن كان قد خسر معظمه إلا أن ما بقي لا يزال كثيراً ثم سأله عن الأعمال التي دخلها وخسر فيها ليعرف إن كان يختار الأهداف الخاطئة، فتبين أنه على العكس كان صاحب اختيارات جيدة؛ لأنها نجحت بالفعل مع آخرين.
وبعد حوار طويل معه، اكتشفت مشكلته الرئيسية، فهو ـ وإن كان يختار الأهداف الصحيحة ويستخدم وسائل جيدة ـ إلا أنه لم يكن يمتلك الطريقة الصحيحة في العمل، فقد كان مثل المزارع البسيط في قرية إفريقية الذي يزرع الأرض قبل أن يفكر من أين يأتي بالماء الذي يسقيه به، ولا كيف يحصد المحاصيل وأين يبيعها. إنه ببساطة لم يكن يخطط لأعماله. وقد أصبح فيما بعد من أكبر صناع السجاد فعلاً بعد أن أرشده إلى عيبه!
جريدة الإقتصادية / العدد رقم 4097 بتاريخ 29/12/2004 / الرأي :
خالد بن محمد الخضر
إن الأهداف إن لم تكن مكتوبة ومسجلة ومتابعة فإنها ستكون مجرد هواجس وآمال لا يلبث الإنسان أن ينساها أو يتناساها.
تُغفل الثقافة العربية وموروثات الفكر العربي تحديد الأهداف والغايات لكافة خطوات الحياة، فلا تمارس تلك الثقافة إلا بِنسب هي الأقل على مستوى العالم قاطبة، سواء كانت تلك الأهداف أهدافاً استراتيجية أم أهدافا ثانوية، فالكل يسير في هذه الحياة ويردد الكلمة المشهورة "خليها على الله"، متناسين أن نهجنا وديننا الإسلامي يقوم على التوازنات فالحديث الشريف، عن عقل الناقة ثم الاتكال على الله، من أهم مبادئ المنهج الإسلامي والمنهاج الديني وعمل الخطوات التي يجب أن تتبع للوصول إلى الأهداف أحد أهم سبل التأصيل الفقهي في رسالة محمد ـ عليه أفضل الصلاة والسلام.
ولكننا في العالم العربي لا نمارس تلك السياسة، إما بسبب جهل يعترينا وإما تكاسلاً ران على إبداعاتنا وهممنا وأهدافنا. كلنا بلا استثناء لا نرسم لحياتنا أهدافا وغايات، سواء كانت تلك الأهداف طويلة الأجل أم متوسطة أو قصيرة، وسواء كانت تلك الأهداف اجتماعية أو اقتصادية أو دينية أو على مستوى تطوير الذات، تسير حياتنا على عواهنها وعلى التنجيم وعلى ترك الحبل على الغارب وعلى سياسة "يدبرها ربك".
سألت أكثر ممن ألتقيهم أو ألقي عليهم دورات تدريبية في مجال التخطيط ورسم الأهداف وتحديد خارطة واضحة لحياة كل منا، فأجد العجب العجاب في الإجابات التي تصلني من كافة المشاركين. فتجد أحسن الإجابات في هذا الخصوص تقوم على "نعم لدي أهداف ولكنها في مخيلتي أو في ذاكرتي..."، ثم يستطرد قائلاً أعرفها جيداً ولكني لا أكتبها.
وكل هذا في العرف التنظيمي والتخطيطي عند أساطين الإدارة وعلمائها يصب في العمل اللا منهجي ومن الأمور التي لا تسمن ولا تغني من جوع، بل هو رسم في أمواج البحر وتدوين في رمال الصحراء.
إن الأهداف إن لم تكن مكتوبة ومسجلة ومتابعة ويقوم الفرد منا بعمل وقت وزمن لها، ومن ثم يقوم بمراجعة تلك الأهداف بشكل أسبوعي وشهري وسنوي وتقييم المنجز منها والمتعثر، وعمل الأسباب التي حالت دون تحقيق الأهداف، وتحديد النسب بين ما تحقق فعلياً، وما هو مراد إنجازه، فإن الأهداف ستكون مجرد هواجس وآمال لا يلبث الإنسان أن ينساها أو يتناساها لعدم وجود الممارسة والتسجيل والمتابعة والشعور بتحقيق النجاح المرة تلو الأخرى.
إن مشكلتنا ومشكلة أسرنا في العالم العربي تقوم على التلقين التلقائي والموروث من عشرات السنين، وترديد جمل لا تدفع بعملية التقدم والإبداع والمضي قدماً نحو تحقيق الأهداف إلا كالدفع بالاتجاه المعاكس، وتدور تلك الجمل عادة في فلك "لا تنس الأكل، لا تنس لبس الثياب، لا تنس المذاكرة، لا تنس الصلاة"، وهي في مجملها حسنة وجيدة، ولكن لماذا لا نربي أولادنا على وضع الخطط والأهداف شيئاً فشيئاً؟ لماذا لا نبني عندهم ثقافة رسم وتحديد الأهداف في حياتهم؟ كأن نقول للطفل اكتب ماذا تريد عندما يكون عمرك عشر سنوات، وخمسة عشر، وعند تخرجك في الجامعة وبعد الزواج! وعند قدوم الأولاد، وعند توليك المنصب الخاص أو الحكومي؟ وما أهدافك الإنسانية؟ وأهدافك المالية ؟ وأهدافك الاجتماعية؟ ثم نراجع سوياً مع الطفل تلك الأهداف كل ثلاث سنوات ونحللها ونقيمها حتى يستطيع أن يمارس تلك الثقافة ويعايشها ومن ثم تجري في عروقه وتصبح ممارسته لها جزءا من تكوينه الثقافي وتأطيره الاجتماعي.
لماذا لا تمارس المدارس الابتدائية والمتوسطة وحتى الثانوية هذا الدور، وتُقر مواضيع تقوم على رسم وتحديد الأهداف في الحياة على كافة الصعد؟
إنه لأمر حسن، وسيجني المجتمع والفرد الخير الكثير من ممارسة تلك الثقافة متى ما قمنا على تفعيلها والحث عليها. كم من أناس أخفقوا وتاهوا في الطرقات ولم يجدوا حياتهم ولا أهدافهم فتخبطوا في مفترقات الطرق ومراحل اتخاذ القرار المفاجئ وتحديد الوجهة الاستراتيجية لأنهم لم يمارسوا ذلك المفهوم؟
الزوج والزوجة لا يشتركان في وضع الأهداف. سألت إحدى المتدربات عن أهدافها مع زوجها وتربية أولادها، فقالت أن نوفر للأولاد الأكل والمسكن والملبس الحسن، فابتسمت وقلت هذا جيد، ولكن ماذا عن الأهداف الاجتماعية والاقتصادية والتطويرية، كبناء وتأسيس الأطفال على المشاركة ولغة الحوار، والقيام بأعمال الخير وبذل المعروف، وأيضاً إعطائهم الجرعات الكافية لتحمل مسؤوليات الحياة والقدرة على اتخاذ القرار وقت الحاجة، وتأسيسهم على القيام بعمل الخطط والأهداف لحياتهم المستقبلية، وممارسة ثقافة التوفير والعمل الجاد واحترام العمل والإيمان بالله والتوكل عليه؟
كل هذه وغيرها كثير يجب أن يتفق الزوجان عليها عند إنجاب الأبناء، ويعملون عليها يوما بيوم، وشهراً بشهر، وسنة بسنة، لأن تربية الأولاد وتحديد الأهداف لهم ومساعدتهم ورسم الخطط وتأسيسها وغرسها فيهم من أهم مراتب الضرورة، وفي ظني أنها تأتي بمرتبة تسبق السكن والملبس والطعام.
كُل الأسر السعودية وبلا استثناء أو جلها ـ حتى لا نمارس لغة التعميم ـ تقوم تربيتها لأبنائها بتلبية الاحتياجات الكمالية والاستهلاكية من أجهزة وطعام وخلافها، ولكنها تهمل جانباً خطيراً وحيوياً واستراتيجياً يقوم على بناء الفرد وتأسيسه تأسيساً عمليا وعلمياً ومنهجياً من خلال غرس مبادئ الإقبال على الحياة بلغة وقراءة منهجية ومدروسة ومخططة، حتى لا يتيه في ساحة الحياة القاسية، وحتى لا تقوم حياته على مبدأ الصدفة والتجارب والعشوائية والتخبط، بل حياة تقوم على المنهجية والفكر الواعي والتخطيط السليم وتقويض الفوارق ومساحات الأخطاء عندما تكون الحياة مرسومة بشكل سليم وواضح.
وتشير قصة (المعجزة المعكوسة) إلى أن هناك رجلا أتى إلى رجل آخر يستشيره، فصاحب هذه (المعجزة المعكوسة) لا يضع يده على الذهب إلا ويتحول تراباً، فسأله المستشار عن رأسماله، فتبين أنه قد ورث من أبيه مبلغا كبيرا جدّا من المال، وهو إن كان قد خسر معظمه إلا أن ما بقي لا يزال كثيراً ثم سأله عن الأعمال التي دخلها وخسر فيها ليعرف إن كان يختار الأهداف الخاطئة، فتبين أنه على العكس كان صاحب اختيارات جيدة؛ لأنها نجحت بالفعل مع آخرين.
وبعد حوار طويل معه، اكتشفت مشكلته الرئيسية، فهو ـ وإن كان يختار الأهداف الصحيحة ويستخدم وسائل جيدة ـ إلا أنه لم يكن يمتلك الطريقة الصحيحة في العمل، فقد كان مثل المزارع البسيط في قرية إفريقية الذي يزرع الأرض قبل أن يفكر من أين يأتي بالماء الذي يسقيه به، ولا كيف يحصد المحاصيل وأين يبيعها. إنه ببساطة لم يكن يخطط لأعماله. وقد أصبح فيما بعد من أكبر صناع السجاد فعلاً بعد أن أرشده إلى عيبه!
جريدة الإقتصادية / العدد رقم 4097 بتاريخ 29/12/2004 / الرأي :
خالد بن محمد الخضر