عبدالله الخليفة
12-30-2007, 06:45 PM
منهج النبي { في مواجهة الشدائد (1 من 4)
أحمد زهران(@)
شدائد الحياة كثيرة، منها ما يصيب الإنسان في نفسه وبدنه، ومنها ما يصيبه في ماله وولده، ومنها ما يصيبه في أهله وزوجه..
وإلى ذلك كله أشار القرآن الكريم: ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين (155) (البقرة).
وقوله: لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور 186(آل عمران).
ولقد استبانت طبيعة الطريق للنبي { من أول البعثة، حينما خاطبه ورقة بن نوفل قائلاً: ".. يا ليتني فيها جذعًا.. ليتني أكون حيًا؛ إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله {: أومخرجيَّ هُم؟ فيقول ورقة: نعم؛ لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عُودي، وإن يُدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا"(1).
ومن يومها واجه رسول الله { جهالات قومه، وتعرض لأذاهم، وأصابه ما أصابه منهم من صَدٍّ وتكذيب وسخرية واستهزاء، وكان رسول الله { يذكر ما لاقاه من أذى قريش قبل أن ينال الأذى أحدًا من أتباعه، يقول: "لقد أخفتُ في الله (عز وجل) وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يُؤذي أحد، ولقد أتت عليّ ثلاثون من بين يوم وليلة، ومالي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال"(2).
ولما هاجر رسول الله { إلي المدينة تحول الإيذاء من الأذى والشتم والسخرية والحصار والضرب إلى مواجهة عسكرية مسلحة، فكان ذلك بلاء في الأموال والأنفس على السواء.. بل كانت فترة رسالته { كلها سلسلة متصلة من المحن والابتلاء.
والدعاة اليوم يتعرضون لما تعرض له النبي { وأصحابه، من سجن واعتقال وتعذيب ومصادرة للأموال والممتلكات، وتنصت على الأحاديث والمكالمات، ومراقبة لكافة التحركات، وتعطيل للأعمال وتفتيش للبيوت، أضف إلى ذلك إثارة غبار الشبهات وظلم الاتهامات بالدعوة والدعاة.
وإذا كان الأمر كذلك، فلابد لنا من مراجعة لسنة النبي { كيف واجه هذه الشدائد، وكيف حوّلها واستخدمها لخدمة الدعوة بعد أن كانت موجّهة لمحاربتها؟
وفي النقاط التالية استعراض لأهم ملامح هذا المنهج النبوي الكريم:
أولاً التذكير بالأجر والثواب:
فرجاء مثوبة الله، وغفران الذنوب والخطايا من النعم التي ينعم الله بها على عباده المؤمنين، فعن أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) قلت: يا رسول الله أي الناس أشد بلاءً؟ قال: "الأنبياء ثم الأمثل، فالأمثل، يُبتلى الرجل على حَسَب دينه، فإن كان في دينه صُلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة"(3).
والمؤمن يوقن بأن ما ينزل به من مصائب ليس ضربات عجماء، ولا خبط عشواء، ولكنه وفق قدر معلوم، وقضاء مرسوم، وحكمة أزلية، فآمنوا بأن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم، وما أخطأهم لم يكن ليصيبهم ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير 22 (الحديد).
كما يوقن المسلم بأْن هذه الشدائد دروس قيّمة ، وتجارب نافعة، تُنضج نفسه، وتُصقل إيمانه، وتُذهب صدأ قلبه، كما ورد في الأثر: "مثل المؤمن تصيبه الوعكة من البلاء كمثل الحديدة تدخل النار فيذهب خبثها ويبقى طيبها".
وما أبلغ ما قاله الرافعي: "ما أشبه النكبة بالبيضة، تُحسب سجنًا لما فيها وهي تحوطه، وتُربيه وتُعينه على تمامه، وليس عليه إلا الصبر إلى مدة، والرضا إلى غاية، ثم تنفق البيضة، فيخرج خلق آخر.. وما المؤمن في دنياه إلا كالفرخ في بيضته: عمله أن يتكوّن فيها، وتمامه أن ينبثق شخصه الكامل فيخرج إلى عالمه الكامل..
ومن مظاهر هذا اللطف والرحمة الإلهية، ما عرفه أحد السلف حين قال: "ما أُصبت في دنياي بمصيبة إلا رأيت لله فيها ثلاث نعم: أنها لم تكن في ديني، وأنها لم تكن أكبر منها، وأنني أرجو ثواب الله عليها.
وتلك نعم تُلابس كل مصيبة في دنيا الناس، جديرة أن تُشعر المؤمن بشعور الشكر لله، فضلاً عن الرضا بقضائه، والصبر على بلائه"(4).
ثانيًا الدعاء والتضرع إلى الله تعالى:
الدعاء من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب، وهو سلاح المؤمن.
وقد شرع رسول الله { لأمته أن يطلبوا النصر والتمكين من رب العالمين، وبيَّن منزلة الدعاء بأنه هو العبادة، وأنه مخ العبادة، وحذر من التفريط أو التساهل في هذا الأمر، فقال: "من لم يسأل الله يغضب عليه"(5).
وفي أوقات الكروب والشدائد، شرع لنا رسول الله { الدعاء بدعوات معينة، ففي جامع الترمذي من حديث أبي هريرة (رضي الله عنه) أن النبي {: "كان إذا أهمّه الأمر رفع رأسه إلى السماء، وإذا أجهد في الدعاء قال: يا حي يا قيوم". وفيه أيضًا من حديث أنس بن مالك، قال: "كان النبي { إذا حزبه أمر قال: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث".
وفي الصحيحين من حديث ابن عباس أن رسول الله { كان يقول عند الكرب: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات السبع ورب الأرض ورب العرش الكريم".
وقال ابن مسعود (رضي الله عنه): "ما كرب نبي من الأنبياء إلا استغاث بالتسبيح"(6).
وفي الساحة العملية طبق رسول الله { ما شرعه لأصحابه، معلمًا إياهم أن الأمر كله بيد الله وحده لتظل القلوب متعلقة بخالقها (عز وجل).
ونلحظ هنا ملمحين من منهجه الكريم {:
أما الملمح الأول: فمنه ما حدث يوم الطائف ؛ إذ رفع { يديه يشكو إلى الله ما نزل به: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس..."(7).
إن الدعاء من أعظم العبادات، فمهما بلغ العقل البشري من الذكاء والدهاء، فهو عُرضة للزلل والإخفاق، "وقد تمر على المسلم مواقف يعجز فيها عن التفكير والتدبير تمامًا، فليس له مخرج منها سوى أن يجأر إلى الله بالدعاء، فما إن انتهى من الدعاء حتى جاءت الإجابة من رب العالمين، مع جبريل وملك الجبال"(8).
ومن هذا ما حدث يوم بدر، إذ اتجه الرسول { إلى ربه يدعوه ويناشده النصر الذي وعده..
"وهذا درس رباني مهم لكل قائد، أو حاكم، أو زعيم، أو فرد، في التجرد من النفس وحظها، والخلوص واللجوء لله وحده، في مثل هذه المواطن". (9).
ومن هذا أيضاً ما حدث يوم الأحزاب..
وهكذا فإن الدعاء والاستغاثة كانا منهجين ثابتين للنبي { في أموره كلها.
ولكن ينبغي أن تعلم أن الله تعالى لا يقبل الدعاء من متواكل كسول، وما يستمع لشيء استماعه لهتاف مجتهد، أن يبارك له سعيه، أو دعاء صابر: أن يُجمل له العافية.. حتى إذا لم يبق في طوق البشر مدَّخر، تدخلت العناية العليا لتقمع صغر العالم، وتقيم جانب المظلوم"(10).
أما الملمح الثاني وهو الدعاء على المكذبين المعاندين والظالمين المتجبرين فمنه ما يرويه ابن مسعود (رضي الله عنه) قال: بينما رسول الله { قائم يصلي عند الكعبة، وجَمْعٌ من قريش في مجالسهم إذ قال قائل منهم: ألا تنظرون إلى هذا المرائي؟ أيُّكم يقوم إلى جَزور آل فلان، فيعمد إلى فرثها ودمها وسَلاها، فيجيء به ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه؟
فانبعث أشقاهم، فلما سجد رسول الله { وضعه بين كتفيه، وثبت النبي { ساجدًا، فضحكوا حتى مال بعضهم إلى بعض من الضحك، فانطلق منطلق إلى فاطمة (رضى الله عنها) وهي جويرية (تصغير جارية) فأقبلت تسعى، وثبت النبي { ساجدًا حتى ألقته عنه، وأقبلت عليهم تسبهم..
فلما قضى رسول الله { الصلاة، قال: "اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش". ثم سمَّى: "اللهم عليك بعمرو بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعُمارة بن الوليد". قال ابن مسعود: فوالله لقد رأيتهم صرعى يوم بدر، ثم سُحبُوا إلى القُليب (البئر المفتوحة) قليب بدر ثم قال رسول الله {: "وأُتبع أصحابُ القليب لعنةً"(11).
وفي غزوة أُحد، وبعد أن نال المسلمين ما نالهم من الأذى والجهد والبلاء، وأصيب رسول الله { بما أصيب به، وفُجع في عمه حمزة بن عبد المطلب، حتى نشغ من البكاء عليه(12).. صلى رسول الله { بأصحابه الظهر قاعدًا لكثرة ما نزف من دمه، وصلى وراءه المسلمون قعودًا، وتوجه النبي { بعد الصلاة إلى الله بالدعاء والثناء، على ما نالهم من الجهد والبلاء، فقال لأصحابه: "استووا حتى أثني على ربي عز وجل"، فصاروا خلفه صفوفًا، ثم دعا بهذه الكلمات:
"اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لما أضللت، ولا مضل لما هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت..."(13).
وهذا الموقف من أعظم مواقف العبودية التي تسمو بالعابدين، وتجلّ المعبود، كأعظم ما يكون الإجلال والإكبار.
وحينما غدر حلفاء هُذيل بأصحاب الرجيع من القراء الذين أرسلهم النبي { معلمين ومفقّهين في غزوة الرجيع، وكانوا سبعين، فقتلوهم جميعاً، فقنت عليهم رسول الله { شهرًا كاملاً في صلاة الفجر، يدعو على قبائل سُلَيمْ التي عصت الله ورسوله.
وفي غزوة الأحزاب، وبعد اشتداد الحصار على المسلمين توجه إلى الله تبارك وتعالى بالدعاء على المشركين؛ فعن عبد الله ابن أبي أوفي (رضي الله عنه) قال: دعا رسول الله { على الأحزاب فقال: "اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم"(14).
لقد تربى الصحابة على مثل هذه المواقف العملية وعايشوها واستوعبوها وفقهوها، واقتدوا بنبيهم {؛ فهذا خبيب بن عدي، حينما غدر به الكفار من قبيلتي عضل والقارة، دعا عليهم وهو مصلوب قائلاً: "اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بددًا، ولا تغادر منهم أحدًا"(15).
وهكذا فعل الصحابة والتابعون وكثير من المسلمين، وبمثل هذا يتعبد الدعاة، ويُعبِّدون الناس جميعًا لله رب العالمين.
الهوامش
(1) الرحيق المختوم، الشيخ صفي الرحمن المباركفوري، ص78.
(2) سنن الترمذي (4-645) ورقمه (2472)، وصححه الألباني.
(3) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
(4) الإيمان والحياة، للدكتور يوسف القرضاوي، ص 187، 188، ط9.
(5) رواه ابن ماجه في سننه من حديث أبي هريرة.
(6) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي للإمام ابن قيم الجوزية
(7) الرحيق المختوم، ص149.
(8) السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث للدكتور محمد علي الصلابي، ط1، دار التوزيع والنشر الإسلامية بالقاهرة، ج1، ص259، 260 بتصرف يسير.
(9) السيرة النبوية، مرجع سابق، ج2، ص24، وعزاه المؤلف إلى التربية القيادية (3-36).
(10) فقه السيرة، الشيخ محمد الغزالي، ص246، ط 2.
(11) رواه البخاري في صحيحه برقم 520 (فتح الباري 1-594).
(12) النشغ: الشهيق حتى يكاد يبلغ به الغشي.
(13) السيرة النبوية، ج2، ص143، 144، وانظر فقه السيرة ص303، الرحيق المختوم ص331، 332، كما رواه أيضًا: الإمام أحمد في مسنده 3-424.
(14) البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة الأحزاب (5-59) رقم (4114).
(15) البخاري (7-303 308)، وانظر فقه السيرة، ص 315.
http://www.almujtamaa-mag.com/Detail.asp?InNewsItemID=141997
أحمد زهران(@)
شدائد الحياة كثيرة، منها ما يصيب الإنسان في نفسه وبدنه، ومنها ما يصيبه في ماله وولده، ومنها ما يصيبه في أهله وزوجه..
وإلى ذلك كله أشار القرآن الكريم: ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين (155) (البقرة).
وقوله: لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور 186(آل عمران).
ولقد استبانت طبيعة الطريق للنبي { من أول البعثة، حينما خاطبه ورقة بن نوفل قائلاً: ".. يا ليتني فيها جذعًا.. ليتني أكون حيًا؛ إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله {: أومخرجيَّ هُم؟ فيقول ورقة: نعم؛ لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عُودي، وإن يُدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا"(1).
ومن يومها واجه رسول الله { جهالات قومه، وتعرض لأذاهم، وأصابه ما أصابه منهم من صَدٍّ وتكذيب وسخرية واستهزاء، وكان رسول الله { يذكر ما لاقاه من أذى قريش قبل أن ينال الأذى أحدًا من أتباعه، يقول: "لقد أخفتُ في الله (عز وجل) وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يُؤذي أحد، ولقد أتت عليّ ثلاثون من بين يوم وليلة، ومالي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال"(2).
ولما هاجر رسول الله { إلي المدينة تحول الإيذاء من الأذى والشتم والسخرية والحصار والضرب إلى مواجهة عسكرية مسلحة، فكان ذلك بلاء في الأموال والأنفس على السواء.. بل كانت فترة رسالته { كلها سلسلة متصلة من المحن والابتلاء.
والدعاة اليوم يتعرضون لما تعرض له النبي { وأصحابه، من سجن واعتقال وتعذيب ومصادرة للأموال والممتلكات، وتنصت على الأحاديث والمكالمات، ومراقبة لكافة التحركات، وتعطيل للأعمال وتفتيش للبيوت، أضف إلى ذلك إثارة غبار الشبهات وظلم الاتهامات بالدعوة والدعاة.
وإذا كان الأمر كذلك، فلابد لنا من مراجعة لسنة النبي { كيف واجه هذه الشدائد، وكيف حوّلها واستخدمها لخدمة الدعوة بعد أن كانت موجّهة لمحاربتها؟
وفي النقاط التالية استعراض لأهم ملامح هذا المنهج النبوي الكريم:
أولاً التذكير بالأجر والثواب:
فرجاء مثوبة الله، وغفران الذنوب والخطايا من النعم التي ينعم الله بها على عباده المؤمنين، فعن أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) قلت: يا رسول الله أي الناس أشد بلاءً؟ قال: "الأنبياء ثم الأمثل، فالأمثل، يُبتلى الرجل على حَسَب دينه، فإن كان في دينه صُلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة"(3).
والمؤمن يوقن بأن ما ينزل به من مصائب ليس ضربات عجماء، ولا خبط عشواء، ولكنه وفق قدر معلوم، وقضاء مرسوم، وحكمة أزلية، فآمنوا بأن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم، وما أخطأهم لم يكن ليصيبهم ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير 22 (الحديد).
كما يوقن المسلم بأْن هذه الشدائد دروس قيّمة ، وتجارب نافعة، تُنضج نفسه، وتُصقل إيمانه، وتُذهب صدأ قلبه، كما ورد في الأثر: "مثل المؤمن تصيبه الوعكة من البلاء كمثل الحديدة تدخل النار فيذهب خبثها ويبقى طيبها".
وما أبلغ ما قاله الرافعي: "ما أشبه النكبة بالبيضة، تُحسب سجنًا لما فيها وهي تحوطه، وتُربيه وتُعينه على تمامه، وليس عليه إلا الصبر إلى مدة، والرضا إلى غاية، ثم تنفق البيضة، فيخرج خلق آخر.. وما المؤمن في دنياه إلا كالفرخ في بيضته: عمله أن يتكوّن فيها، وتمامه أن ينبثق شخصه الكامل فيخرج إلى عالمه الكامل..
ومن مظاهر هذا اللطف والرحمة الإلهية، ما عرفه أحد السلف حين قال: "ما أُصبت في دنياي بمصيبة إلا رأيت لله فيها ثلاث نعم: أنها لم تكن في ديني، وأنها لم تكن أكبر منها، وأنني أرجو ثواب الله عليها.
وتلك نعم تُلابس كل مصيبة في دنيا الناس، جديرة أن تُشعر المؤمن بشعور الشكر لله، فضلاً عن الرضا بقضائه، والصبر على بلائه"(4).
ثانيًا الدعاء والتضرع إلى الله تعالى:
الدعاء من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب، وهو سلاح المؤمن.
وقد شرع رسول الله { لأمته أن يطلبوا النصر والتمكين من رب العالمين، وبيَّن منزلة الدعاء بأنه هو العبادة، وأنه مخ العبادة، وحذر من التفريط أو التساهل في هذا الأمر، فقال: "من لم يسأل الله يغضب عليه"(5).
وفي أوقات الكروب والشدائد، شرع لنا رسول الله { الدعاء بدعوات معينة، ففي جامع الترمذي من حديث أبي هريرة (رضي الله عنه) أن النبي {: "كان إذا أهمّه الأمر رفع رأسه إلى السماء، وإذا أجهد في الدعاء قال: يا حي يا قيوم". وفيه أيضًا من حديث أنس بن مالك، قال: "كان النبي { إذا حزبه أمر قال: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث".
وفي الصحيحين من حديث ابن عباس أن رسول الله { كان يقول عند الكرب: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات السبع ورب الأرض ورب العرش الكريم".
وقال ابن مسعود (رضي الله عنه): "ما كرب نبي من الأنبياء إلا استغاث بالتسبيح"(6).
وفي الساحة العملية طبق رسول الله { ما شرعه لأصحابه، معلمًا إياهم أن الأمر كله بيد الله وحده لتظل القلوب متعلقة بخالقها (عز وجل).
ونلحظ هنا ملمحين من منهجه الكريم {:
أما الملمح الأول: فمنه ما حدث يوم الطائف ؛ إذ رفع { يديه يشكو إلى الله ما نزل به: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس..."(7).
إن الدعاء من أعظم العبادات، فمهما بلغ العقل البشري من الذكاء والدهاء، فهو عُرضة للزلل والإخفاق، "وقد تمر على المسلم مواقف يعجز فيها عن التفكير والتدبير تمامًا، فليس له مخرج منها سوى أن يجأر إلى الله بالدعاء، فما إن انتهى من الدعاء حتى جاءت الإجابة من رب العالمين، مع جبريل وملك الجبال"(8).
ومن هذا ما حدث يوم بدر، إذ اتجه الرسول { إلى ربه يدعوه ويناشده النصر الذي وعده..
"وهذا درس رباني مهم لكل قائد، أو حاكم، أو زعيم، أو فرد، في التجرد من النفس وحظها، والخلوص واللجوء لله وحده، في مثل هذه المواطن". (9).
ومن هذا أيضاً ما حدث يوم الأحزاب..
وهكذا فإن الدعاء والاستغاثة كانا منهجين ثابتين للنبي { في أموره كلها.
ولكن ينبغي أن تعلم أن الله تعالى لا يقبل الدعاء من متواكل كسول، وما يستمع لشيء استماعه لهتاف مجتهد، أن يبارك له سعيه، أو دعاء صابر: أن يُجمل له العافية.. حتى إذا لم يبق في طوق البشر مدَّخر، تدخلت العناية العليا لتقمع صغر العالم، وتقيم جانب المظلوم"(10).
أما الملمح الثاني وهو الدعاء على المكذبين المعاندين والظالمين المتجبرين فمنه ما يرويه ابن مسعود (رضي الله عنه) قال: بينما رسول الله { قائم يصلي عند الكعبة، وجَمْعٌ من قريش في مجالسهم إذ قال قائل منهم: ألا تنظرون إلى هذا المرائي؟ أيُّكم يقوم إلى جَزور آل فلان، فيعمد إلى فرثها ودمها وسَلاها، فيجيء به ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه؟
فانبعث أشقاهم، فلما سجد رسول الله { وضعه بين كتفيه، وثبت النبي { ساجدًا، فضحكوا حتى مال بعضهم إلى بعض من الضحك، فانطلق منطلق إلى فاطمة (رضى الله عنها) وهي جويرية (تصغير جارية) فأقبلت تسعى، وثبت النبي { ساجدًا حتى ألقته عنه، وأقبلت عليهم تسبهم..
فلما قضى رسول الله { الصلاة، قال: "اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش". ثم سمَّى: "اللهم عليك بعمرو بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعُمارة بن الوليد". قال ابن مسعود: فوالله لقد رأيتهم صرعى يوم بدر، ثم سُحبُوا إلى القُليب (البئر المفتوحة) قليب بدر ثم قال رسول الله {: "وأُتبع أصحابُ القليب لعنةً"(11).
وفي غزوة أُحد، وبعد أن نال المسلمين ما نالهم من الأذى والجهد والبلاء، وأصيب رسول الله { بما أصيب به، وفُجع في عمه حمزة بن عبد المطلب، حتى نشغ من البكاء عليه(12).. صلى رسول الله { بأصحابه الظهر قاعدًا لكثرة ما نزف من دمه، وصلى وراءه المسلمون قعودًا، وتوجه النبي { بعد الصلاة إلى الله بالدعاء والثناء، على ما نالهم من الجهد والبلاء، فقال لأصحابه: "استووا حتى أثني على ربي عز وجل"، فصاروا خلفه صفوفًا، ثم دعا بهذه الكلمات:
"اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لما أضللت، ولا مضل لما هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت..."(13).
وهذا الموقف من أعظم مواقف العبودية التي تسمو بالعابدين، وتجلّ المعبود، كأعظم ما يكون الإجلال والإكبار.
وحينما غدر حلفاء هُذيل بأصحاب الرجيع من القراء الذين أرسلهم النبي { معلمين ومفقّهين في غزوة الرجيع، وكانوا سبعين، فقتلوهم جميعاً، فقنت عليهم رسول الله { شهرًا كاملاً في صلاة الفجر، يدعو على قبائل سُلَيمْ التي عصت الله ورسوله.
وفي غزوة الأحزاب، وبعد اشتداد الحصار على المسلمين توجه إلى الله تبارك وتعالى بالدعاء على المشركين؛ فعن عبد الله ابن أبي أوفي (رضي الله عنه) قال: دعا رسول الله { على الأحزاب فقال: "اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم"(14).
لقد تربى الصحابة على مثل هذه المواقف العملية وعايشوها واستوعبوها وفقهوها، واقتدوا بنبيهم {؛ فهذا خبيب بن عدي، حينما غدر به الكفار من قبيلتي عضل والقارة، دعا عليهم وهو مصلوب قائلاً: "اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بددًا، ولا تغادر منهم أحدًا"(15).
وهكذا فعل الصحابة والتابعون وكثير من المسلمين، وبمثل هذا يتعبد الدعاة، ويُعبِّدون الناس جميعًا لله رب العالمين.
الهوامش
(1) الرحيق المختوم، الشيخ صفي الرحمن المباركفوري، ص78.
(2) سنن الترمذي (4-645) ورقمه (2472)، وصححه الألباني.
(3) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
(4) الإيمان والحياة، للدكتور يوسف القرضاوي، ص 187، 188، ط9.
(5) رواه ابن ماجه في سننه من حديث أبي هريرة.
(6) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي للإمام ابن قيم الجوزية
(7) الرحيق المختوم، ص149.
(8) السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث للدكتور محمد علي الصلابي، ط1، دار التوزيع والنشر الإسلامية بالقاهرة، ج1، ص259، 260 بتصرف يسير.
(9) السيرة النبوية، مرجع سابق، ج2، ص24، وعزاه المؤلف إلى التربية القيادية (3-36).
(10) فقه السيرة، الشيخ محمد الغزالي، ص246، ط 2.
(11) رواه البخاري في صحيحه برقم 520 (فتح الباري 1-594).
(12) النشغ: الشهيق حتى يكاد يبلغ به الغشي.
(13) السيرة النبوية، ج2، ص143، 144، وانظر فقه السيرة ص303، الرحيق المختوم ص331، 332، كما رواه أيضًا: الإمام أحمد في مسنده 3-424.
(14) البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة الأحزاب (5-59) رقم (4114).
(15) البخاري (7-303 308)، وانظر فقه السيرة، ص 315.
http://www.almujtamaa-mag.com/Detail.asp?InNewsItemID=141997