المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : منهج النبي في مواجهة الشدائد


عبدالله الخليفة
12-30-2007, 06:45 PM
منهج النبي { في مواجهة الشدائد (1 من 4)

أحمد زهران(@)

شدائد الحياة كثيرة، منها ما يصيب الإنسان في نفسه وبدنه، ومنها ما يصيبه في ماله وولده، ومنها ما يصيبه في أهله وزوجه..
وإلى ذلك كله أشار القرآن الكريم: ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين (155) (البقرة).
وقوله: لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور 186(آل عمران).
ولقد استبانت طبيعة الطريق للنبي { من أول البعثة، حينما خاطبه ورقة بن نوفل قائلاً: ".. يا ليتني فيها جذعًا.. ليتني أكون حيًا؛ إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله {: أومخرجيَّ هُم؟ فيقول ورقة: نعم؛ لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عُودي، وإن يُدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا"(1).
ومن يومها واجه رسول الله { جهالات قومه، وتعرض لأذاهم، وأصابه ما أصابه منهم من صَدٍّ وتكذيب وسخرية واستهزاء، وكان رسول الله { يذكر ما لاقاه من أذى قريش قبل أن ينال الأذى أحدًا من أتباعه، يقول: "لقد أخفتُ في الله (عز وجل) وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يُؤذي أحد، ولقد أتت عليّ ثلاثون من بين يوم وليلة، ومالي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال"(2).
ولما هاجر رسول الله { إلي المدينة تحول الإيذاء من الأذى والشتم والسخرية والحصار والضرب إلى مواجهة عسكرية مسلحة، فكان ذلك بلاء في الأموال والأنفس على السواء.. بل كانت فترة رسالته { كلها سلسلة متصلة من المحن والابتلاء.
والدعاة اليوم يتعرضون لما تعرض له النبي { وأصحابه، من سجن واعتقال وتعذيب ومصادرة للأموال والممتلكات، وتنصت على الأحاديث والمكالمات، ومراقبة لكافة التحركات، وتعطيل للأعمال وتفتيش للبيوت، أضف إلى ذلك إثارة غبار الشبهات وظلم الاتهامات بالدعوة والدعاة.
وإذا كان الأمر كذلك، فلابد لنا من مراجعة لسنة النبي { كيف واجه هذه الشدائد، وكيف حوّلها واستخدمها لخدمة الدعوة بعد أن كانت موجّهة لمحاربتها؟
وفي النقاط التالية استعراض لأهم ملامح هذا المنهج النبوي الكريم:
أولاً التذكير بالأجر والثواب:
فرجاء مثوبة الله، وغفران الذنوب والخطايا من النعم التي ينعم الله بها على عباده المؤمنين، فعن أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) قلت: يا رسول الله أي الناس أشد بلاءً؟ قال: "الأنبياء ثم الأمثل، فالأمثل، يُبتلى الرجل على حَسَب دينه، فإن كان في دينه صُلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة"(3).
والمؤمن يوقن بأن ما ينزل به من مصائب ليس ضربات عجماء، ولا خبط عشواء، ولكنه وفق قدر معلوم، وقضاء مرسوم، وحكمة أزلية، فآمنوا بأن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم، وما أخطأهم لم يكن ليصيبهم ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير 22 (الحديد).
كما يوقن المسلم بأْن هذه الشدائد دروس قيّمة ، وتجارب نافعة، تُنضج نفسه، وتُصقل إيمانه، وتُذهب صدأ قلبه، كما ورد في الأثر: "مثل المؤمن تصيبه الوعكة من البلاء كمثل الحديدة تدخل النار فيذهب خبثها ويبقى طيبها".
وما أبلغ ما قاله الرافعي: "ما أشبه النكبة بالبيضة، تُحسب سجنًا لما فيها وهي تحوطه، وتُربيه وتُعينه على تمامه، وليس عليه إلا الصبر إلى مدة، والرضا إلى غاية، ثم تنفق البيضة، فيخرج خلق آخر.. وما المؤمن في دنياه إلا كالفرخ في بيضته: عمله أن يتكوّن فيها، وتمامه أن ينبثق شخصه الكامل فيخرج إلى عالمه الكامل..
ومن مظاهر هذا اللطف والرحمة الإلهية، ما عرفه أحد السلف حين قال: "ما أُصبت في دنياي بمصيبة إلا رأيت لله فيها ثلاث نعم: أنها لم تكن في ديني، وأنها لم تكن أكبر منها، وأنني أرجو ثواب الله عليها.
وتلك نعم تُلابس كل مصيبة في دنيا الناس، جديرة أن تُشعر المؤمن بشعور الشكر لله، فضلاً عن الرضا بقضائه، والصبر على بلائه"(4).
ثانيًا الدعاء والتضرع إلى الله تعالى:
الدعاء من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب، وهو سلاح المؤمن.
وقد شرع رسول الله { لأمته أن يطلبوا النصر والتمكين من رب العالمين، وبيَّن منزلة الدعاء بأنه هو العبادة، وأنه مخ العبادة، وحذر من التفريط أو التساهل في هذا الأمر، فقال: "من لم يسأل الله يغضب عليه"(5).
وفي أوقات الكروب والشدائد، شرع لنا رسول الله { الدعاء بدعوات معينة، ففي جامع الترمذي من حديث أبي هريرة (رضي الله عنه) أن النبي {: "كان إذا أهمّه الأمر رفع رأسه إلى السماء، وإذا أجهد في الدعاء قال: يا حي يا قيوم". وفيه أيضًا من حديث أنس بن مالك، قال: "كان النبي { إذا حزبه أمر قال: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث".
وفي الصحيحين من حديث ابن عباس أن رسول الله { كان يقول عند الكرب: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات السبع ورب الأرض ورب العرش الكريم".
وقال ابن مسعود (رضي الله عنه): "ما كرب نبي من الأنبياء إلا استغاث بالتسبيح"(6).
وفي الساحة العملية طبق رسول الله { ما شرعه لأصحابه، معلمًا إياهم أن الأمر كله بيد الله وحده لتظل القلوب متعلقة بخالقها (عز وجل).
ونلحظ هنا ملمحين من منهجه الكريم {:
أما الملمح الأول: فمنه ما حدث يوم الطائف ؛ إذ رفع { يديه يشكو إلى الله ما نزل به: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس..."(7).
إن الدعاء من أعظم العبادات، فمهما بلغ العقل البشري من الذكاء والدهاء، فهو عُرضة للزلل والإخفاق، "وقد تمر على المسلم مواقف يعجز فيها عن التفكير والتدبير تمامًا، فليس له مخرج منها سوى أن يجأر إلى الله بالدعاء، فما إن انتهى من الدعاء حتى جاءت الإجابة من رب العالمين، مع جبريل وملك الجبال"(8).
ومن هذا ما حدث يوم بدر، إذ اتجه الرسول { إلى ربه يدعوه ويناشده النصر الذي وعده..
"وهذا درس رباني مهم لكل قائد، أو حاكم، أو زعيم، أو فرد، في التجرد من النفس وحظها، والخلوص واللجوء لله وحده، في مثل هذه المواطن". (9).
ومن هذا أيضاً ما حدث يوم الأحزاب..
وهكذا فإن الدعاء والاستغاثة كانا منهجين ثابتين للنبي { في أموره كلها.
ولكن ينبغي أن تعلم أن الله تعالى لا يقبل الدعاء من متواكل كسول، وما يستمع لشيء استماعه لهتاف مجتهد، أن يبارك له سعيه، أو دعاء صابر: أن يُجمل له العافية.. حتى إذا لم يبق في طوق البشر مدَّخر، تدخلت العناية العليا لتقمع صغر العالم، وتقيم جانب المظلوم"(10).
أما الملمح الثاني وهو الدعاء على المكذبين المعاندين والظالمين المتجبرين فمنه ما يرويه ابن مسعود (رضي الله عنه) قال: بينما رسول الله { قائم يصلي عند الكعبة، وجَمْعٌ من قريش في مجالسهم إذ قال قائل منهم: ألا تنظرون إلى هذا المرائي؟ أيُّكم يقوم إلى جَزور آل فلان، فيعمد إلى فرثها ودمها وسَلاها، فيجيء به ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه؟
فانبعث أشقاهم، فلما سجد رسول الله { وضعه بين كتفيه، وثبت النبي { ساجدًا، فضحكوا حتى مال بعضهم إلى بعض من الضحك، فانطلق منطلق إلى فاطمة (رضى الله عنها) وهي جويرية (تصغير جارية) فأقبلت تسعى، وثبت النبي { ساجدًا حتى ألقته عنه، وأقبلت عليهم تسبهم..
فلما قضى رسول الله { الصلاة، قال: "اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش". ثم سمَّى: "اللهم عليك بعمرو بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعُمارة بن الوليد". قال ابن مسعود: فوالله لقد رأيتهم صرعى يوم بدر، ثم سُحبُوا إلى القُليب (البئر المفتوحة) قليب بدر ثم قال رسول الله {: "وأُتبع أصحابُ القليب لعنةً"(11).
وفي غزوة أُحد، وبعد أن نال المسلمين ما نالهم من الأذى والجهد والبلاء، وأصيب رسول الله { بما أصيب به، وفُجع في عمه حمزة بن عبد المطلب، حتى نشغ من البكاء عليه(12).. صلى رسول الله { بأصحابه الظهر قاعدًا لكثرة ما نزف من دمه، وصلى وراءه المسلمون قعودًا، وتوجه النبي { بعد الصلاة إلى الله بالدعاء والثناء، على ما نالهم من الجهد والبلاء، فقال لأصحابه: "استووا حتى أثني على ربي عز وجل"، فصاروا خلفه صفوفًا، ثم دعا بهذه الكلمات:
"اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لما أضللت، ولا مضل لما هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت..."(13).
وهذا الموقف من أعظم مواقف العبودية التي تسمو بالعابدين، وتجلّ المعبود، كأعظم ما يكون الإجلال والإكبار.
وحينما غدر حلفاء هُذيل بأصحاب الرجيع من القراء الذين أرسلهم النبي { معلمين ومفقّهين في غزوة الرجيع، وكانوا سبعين، فقتلوهم جميعاً، فقنت عليهم رسول الله { شهرًا كاملاً في صلاة الفجر، يدعو على قبائل سُلَيمْ التي عصت الله ورسوله.
وفي غزوة الأحزاب، وبعد اشتداد الحصار على المسلمين توجه إلى الله تبارك وتعالى بالدعاء على المشركين؛ فعن عبد الله ابن أبي أوفي (رضي الله عنه) قال: دعا رسول الله { على الأحزاب فقال: "اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم"(14).
لقد تربى الصحابة على مثل هذه المواقف العملية وعايشوها واستوعبوها وفقهوها، واقتدوا بنبيهم {؛ فهذا خبيب بن عدي، حينما غدر به الكفار من قبيلتي عضل والقارة، دعا عليهم وهو مصلوب قائلاً: "اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بددًا، ولا تغادر منهم أحدًا"(15).
وهكذا فعل الصحابة والتابعون وكثير من المسلمين، وبمثل هذا يتعبد الدعاة، ويُعبِّدون الناس جميعًا لله رب العالمين.
الهوامش
(1) الرحيق المختوم، الشيخ صفي الرحمن المباركفوري، ص78.
(2) سنن الترمذي (4-645) ورقمه (2472)، وصححه الألباني.
(3) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
(4) الإيمان والحياة، للدكتور يوسف القرضاوي، ص 187، 188، ط9.
(5) رواه ابن ماجه في سننه من حديث أبي هريرة.
(6) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي للإمام ابن قيم الجوزية
(7) الرحيق المختوم، ص149.
(8) السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث للدكتور محمد علي الصلابي، ط1، دار التوزيع والنشر الإسلامية بالقاهرة، ج1، ص259، 260 بتصرف يسير.
(9) السيرة النبوية، مرجع سابق، ج2، ص24، وعزاه المؤلف إلى التربية القيادية (3-36).
(10) فقه السيرة، الشيخ محمد الغزالي، ص246، ط 2.
(11) رواه البخاري في صحيحه برقم 520 (فتح الباري 1-594).
(12) النشغ: الشهيق حتى يكاد يبلغ به الغشي.
(13) السيرة النبوية، ج2، ص143، 144، وانظر فقه السيرة ص303، الرحيق المختوم ص331، 332، كما رواه أيضًا: الإمام أحمد في مسنده 3-424.
(14) البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة الأحزاب (5-59) رقم (4114).
(15) البخاري (7-303 308)، وانظر فقه السيرة، ص 315.

http://www.almujtamaa-mag.com/Detail.asp?InNewsItemID=141997

عبدالله الخليفة
12-30-2007, 07:01 PM
منهج النبي صلي الله عليه ،سلم في مواجهة الشدائد (2-4)

أحمد زهران(@)

تناولت الحلقة الماضية ملمحين من ملامح منهج النبي { في الشدائد، وهما الدعاء، والتذكير بالأجر والثواب، وتتناول حلقة اليوم ثلاثة ملامح أخرى من هذا المنهج:
ثالثًا بث الثقة والأمل:
حينما تشتد الأزمة، ويتعاظم البلاء، وتكثر الحروب والهجمات على الإسلام والمسلمين، لا ينبغي للمؤمن أن يتسرب إليه إحساس بالفشل أو اليأس من التغيير والإصلاح، وهذا ما كان يفعله {، فقد كان يبث عناصر الثقة في قلوب رجاله، ويفيض عليهم مما أفاضه الله على فؤاده من أمل رحيب في انتصار الإسلام، وانتشار مبادئه، وزوال سلطان الطغاة أمام طلائعه المظفرة في المشارق والمغارب..
يدخل عليه خباب بن الأرت وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فيقول له: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا؟ فيقعد رسول الله { وهو مُحْمَرّ وجهه، ويقول: "كان الرجل فيمن قبلكم يُحفر له في الأرض فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه، فيشق باثنين، وما يصده ذلك عن دينه، ويُمْشّط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه. والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون"(1).
واستمع إليه يوم الخندق وقد أحاطت بالمسلمين الأهوال من كل مكان: إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا (10) هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا (11) (الأحزاب).
وهو يبشّر المؤمنين: "والذي نفسي بيده ليفرجن عنكم ما ترون من الشدة، وإني لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق آمنًا، وأن يدفع الله إليّ مفاتيح الكعبة، وليهلكن الله كسرى وقيصر، ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله"(2).
ولقد تحققت هذه البشارات التي أخبر عنها رسول الله {، وما ينطق عن الهوى" (3) إن هو إلا وحي يوحى" (4) (النجم).
وما إن سمعت هذه النفوس هذه البشريات حتى سكنت وارتاحت واطمأنت: ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما 22 (الأحزاب).
أما الواهنون والمرتابون ومرضى القلوب، فقد تندّروا بأحاديث الفتح وفيهم قال الله تعالى: وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا 12 (الأحزاب).
وتأمل موقفه عند الهجرة، ووعده { لسراقة بن مالك بسواري كسري، ويرد سراقة متعجبًا وكأنه لا يصدق ما تسمعه أذناه: كسرى بن هرمز؟ فيؤكد له رسول الله { نعم، كسرى بن هرمز.
ولقد عاش سراقة إلى أن تحققت بشرى رسول الله {.
ويحق لنا أن نتساءل: ماذا كان يملك رسول الله { وهو يقدم هذه البشريات وينثر هذه التطمينات هنا وهناك؟ وهو المطارد من بلده، والمحاصر في البلد الذي أوى إليه!؟
إنه كان يملك الثقة في وعد ربه (عز وجل)، وأن الله تعالى من خلفه ناصره ومعينه، فكان لابد أن ينتقل هذه الشعور إلى هذه النفوس الملتاعة حتى يسكن التياعها وتطمئن إلى موعود ربها تبارك وتعالى.
وله { عشرات الأحاديث التي يبشر المؤمنين فيها بأنهم ورثة هذا الكتاب وهذه الأرض، وأنهم سيفتحون المشارق والمغارب، ويملكون الأرض كلها: فعن تميم الداري قال: سمعت رسول الله { يقول: "ليبلغنَّ هذا الأمر (يعني أمر الإسلام) ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر، إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزًا يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر"(3).
ومن هذه المبشرات ما رواه مسلم وغيره عن ثوبان قال: قال رسول الله {: "إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها، وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض"(4).
والداعية الحصيف هو الذي يلتزم منهج النبي {؛ لأننا مطالبون أن نبشِّر ولا ننفِّر، كما نحن مأمورون أن نيسِّر ولا نعسر.
وبث جرعات من الثقة والأمل في النفوس في مثل هذه الأيام ضرورة؛ خاصة وعوامل اليأس ومشاعر الإحباط تكاد تغلب على حياة الكثيرين فتقتل فيها الهمم، وتخدر العزائم، وتدمر الطموحات.
ونحن مطالبون بأن نقف في وجه مثل هذه الموجات السلبية، واثقين بوعد الله تعالى، مستبشرين بمستقبل هذا الدين، رافضين اليأس الذي هو من لوازم الكفر، والقنوط الذي هو من مظاهر الضلال.
رابعًا: الإخلاص
فإخلاص النية لله تعالى هو أصل صلاح العمل وقبوله، يقول تعالى: فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا 110 (الكهف).
كما أنها سر عون الله للعبد، وأساس النجاة من المحن والشدائد، وذلك واضح في سِيَر الأنبياء والصالحين؛ فقد نجى الله نوحًا من الغرق، وإبراهيم من النار، ولوطًا من الأذى، وأيوب من الشدة والمرض، وموسى من بطش فرعون، والنبي { من قريش ومكرهم، وغيرهم من الأنبياء والمرسلين، بل وعباد الله الصالحين.
وما أحسن قول سالم بن عبد الله بن عمر (رضي الله عنهم): "اعلم أن عون الله للعبد على قدر نيته، فمن تمت نيته تم عون الله له، وإن نقصت نقص بقدره"(5).
وقد ضرب رسول الله { مثلاً لأمته، يتعلمون منه أن الأعمال الصالحة الخالصة لوجه الله تعالى سبب في النجاة من الهموم والغموم والأحزان والشدائد جميعها، ولعل في قصة النَّفر الثلاثة الذين سدت عليهم الصخرة باب الغار، والتي قصها رسول الله { لصحابته بيان لهذا الأمر.
فهذا الحديث يدل كما يقول العلامة الدكتور القرضاوي على أن التوسل إلى الله بالعمل الصالح من أعظم الوسائل للخلاص من المآزق والأزمات، وهذا مما لا خلاف عليه، ولا يكون العمل صالحًا إلا إذا أُريد به وجه الله تعالى، ولهذا قال كل واحدٍ منهم بعد أن ذكر موقفه الفريد: "اللهم إن كنت فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه" وقد كان من أساليب التربية النبوية المؤثرة: ذكر روائع القصص التي تؤخذ منه العظة والعبرة، ومما يجدي في الدعوة والتربية تجميع ما صح من هذه القصص لينتفع بها الدعاة والمربون"(6).
"ومن عجيب ما ذكره القرآن في ذلك: استجابة الله تعالى دعاء المشركين إذا جرت بهم الفلك في البحر، وهاجت عليهم الريح، وأحاط بهم الموج من كل مكان، فيدعون الله في تلك اللحظات بصدق وإخلاص، فيستجيب لهم، وإن غيّروا بعد ذلك وبدّلوا. يقول تعالى: هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى" إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين 22 فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق (يونس).
وإنما أنجاهم واستجاب لهم؛ لأنهم دعوا الله مخلصين له الدين، فقد رجعوا في تلك اللحظة إلى الفطرة، وسقطت الآلهة المزيفة، ولم يبق لديهم إلا الله يدعونه بإخلاص ويتجهون إليه"(7).
خامسًا : الثبات
يروي ابن كثير في تفسير قوله تعالى: وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على" آلهتكم إن هذا لشيء يراد (6) (ص) أن وفدًا من رؤساء قريش جاء إلى أبي طالب عم رسول الله { وقال له: "يا أبا طالب، أنت كبيرنا وسيدنا فأنصفنا من ابن أخيك، فمره فليكف عن شتم آلهتنا، وندعه وإلهه". فبعث إليه أبو طالب، فلما دخل عليه رسول الله { قال: يابن أخي هؤلاء مشيخة قومك، وقد سألوك أن تكف عن شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك. فقال {: "أفلا أدعوهم إلى ما هو خير لهم". قال أبو طالب: وإلام تدعوهم؟ قال {: "أدعوهم أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب، ويملكون بها العجم". قال أبو جهل من بين القوم: ما هي؟ وأبيك لنعطينَّكها وعشرَ أمثالها. قال {: "تقولون لا إله إلا الله"، فنفروا وقالوا: سَلْنَا غيرها. قال {: "لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يديّ ما سألتكم غيرها". فقاموا من عنده غضابًا، وقالوا: والله لنشتمنك وإلهك الذي أمرك بهذا! فنزل قوله تعالى: وانطلق الملأ منهم وهم سادة قريش قائلين: أن امشوا، أي استمروا على دينكم، واصبروا على" آلهتكم، أي اثبتوا على عبادتها إن هذا لشيء يراد، أي: "إن هذا الذي يدعونا إليه محمد { من التوحيد لشيء يريد به الشرف عليكم والاستعلاء، وأن يكون له منكم أتباع، ولسنا نجيبه إليه"(8).
إذا كان أهل الباطل يصرون على باطلهم، أفلا يجدر بأهل الحق أن يثبتوا على منهجهم؟
وفي غزوة أُحد، وبعد أن انهزم المسلمون، ثبت النبي { وجعل يصيح بالمؤمنين: "إليّ عباد الله.. إليَّ عباد الله"، فاجتمع إليه نحو من ثلاثين رجلاً، واستماتوا في الدفاع عنه { حتى مضى الكفار وتركوهم.
وفي غزوة حنين حين باغت المشركون المسلمين، فانهزم المسلمون ولاذوا بالفرار، إذا برسول الله { على بغلته يركض بها نحو الكفار، وينادي:
أنا النبي لا كذب
أنا ابن عبد المطلب
ولم يثبت معه في موقفه إلا عدد قليل من المهاجرين والأنصار، تسعة على قول ابن إسحاق، واثنا عشر على قول النووي
وروى الترمذى بإسناد حسن من حديث ابن عمر قال: "لقد رأيتنا يوم حنين وإن الناس لمولِّين، وما مع رسول الله { مائة رجل"(9).
إن الثبات عند نزول الشدائد وتوالي الضربات وكثرة المحن.. هو الذي يميّز المؤمن الصادق من غيره.
ونفوس الناس تتفاوت عند ورود الأزمات تفاوتًا كبيرًا؛ "فمنها الهش الذي سرعان ما يذوب ويحمله التيار معه، كما تحمل المياه الغثاء والأوحال، ومنها الصُلب، الذي تمر به العواصف المجتاحة، فتنكسر حدتها على متنه، وتتحول رغوة خفيفة وزبدًا..
وقد نعى القرآن على الصنف الجزوع فقال: قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا 16 قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا 17 (الأحزاب)" (10).
الهوامش:
(1) صحيح البخاري كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، رقم 3612.
(2) فقه السيرة، الشيخ محمد الغزالي، ، وقد وردت روايات كثيرة في بشريات النبي لأصحابه يوم الأحزاب، انظر في ذلك الرحيق المختوم ص360، السيرة النبوية للصلابي ص282.
(3) رواه أحمد في مسنده: (4- 103) وأورده الهيثمي في المجمع، وقال: رواه أحمد والطبراني (6-14).
(4) رواه مسلم في الفتن وأشراط الساعة برقم (2889) وأبو داود (4252)، والترمذي (2203)، وابن ماجه (3952).
(5) رياض الصائمين للدكتور عبدالرحمن البر، ص 16، (ط1)، دار الوفاء للطباعة والنشر، القاهرة.
(6) في الطريق إلى الله: النية والإخلاص للدكتور يوسف القرضاوي، ص111، مكتبة وهبة، القاهرة، ط1، 1416ه 1995م.
(7) السابق بتصرف.
(8) تفسير ابن كثير ج4، ص27، ط. مكتبة التراث الإسلامي بالقاهرة بتصرف يسير.
(9) الرحيق المختوم ص422، مرجع سابق.
(10) فقه السيرة للغزالي ص344، مرجع سابق.

http://www.almujtamaa-mag.com/Detail.asp?InNewsItemID=142697

عبدالله الخليفة
12-30-2007, 07:05 PM
منهج النبي { عند نزول الشدائد (3من 4)

ربى الرسول { أصحابه على الشورى.. ولو خالفت آراؤهم آراءه

تناولنا في الحلقتين الأولى والثانية خمسة ملامح من منهج النبي { عند نزول الشدائد، ونواصل هنا الحديث عن ثلاثة ملامح أخرى، وهي:

سادسًا: اعتماد مبدأ الشورى كقاعدة أصيلة:
الشورى إن كانت لازمة ومطلوبة شرعاً، فإنها وقت الأزمات والشدائد ألزم.
وبالشورى يستطيع القائمون على الأمور أن يستطلعوا آراء صفوة الأمة وعقلائها، فيخرجوا برأي جامع يمكن أن يكون سبباً في وقايتهم من الوقوع في الأخطاء.
وقد شاور رسول الله { أصحابه يوم بدر واستمع منهم، وشاورهم يوم أُحد، ونزل على رأي الشباب منهم، واستمع لمشورة سلمان يوم الخندق وكانت سببًا من أسباب نجاتهم والحفاظ على جماعتهم، وأخذ برأي أم سلمة يوم الحديبية؛ لما رأى فيه من كياسة وذكاء، وكان فيه الخير والصواب.
وهذا من الواجب على الداعية سواءً كان أميرًا أم مأمورًا "أن يشاورهم فيما هو مُقدِم عليه، أو فيما يحتمل قدومه عليه، أو فيما يضطر إلى القدوم إليه من أمور صعبة جسيمة من مثل مقابلة العدو، أو مواجهته وجهًا لوجه، ومما يترتب على ذلك من نتائج.
وليحذر الداعية من ترك المشاورة وانفراده بالرأي، فإن هذا الترك يُفوّت عليه خيرًا كثيرًا، مع مخالفته لأمر الشرع، وإيحاش قلوب أتباعه. وعليه وهو يشاور أتباعه ألا يضيق صدره بآرائهم، بل إن عليه أن يشجعهم بأن يقولوا كل ما يرونه من الصواب فيما يُستشارون فيه من أمور، وعليه أن يأخذ بالرأي الصواب إذا ظهر، بل أن يأخذ به حتى لو تقدم به صاحبه دون سبق مشاورة من الأمير له، كما أخذ النبي برأي الحُباب بن المنذر بشأن المكان المختار لجيش المسلمين يوم بدر"(1).
لقد ربى رسول الله { أصحابه على التصريح بآرائهم عند مشاورته لهم؛ حتى ولو خالفت رأيه، فهو إنما يشاورهم فيما لا نص فيه، "تعويدًا لهم على التفكير في الأمور العامة، ومعالجة مشكلات الأمة، فلا فائدة من المشورة إذا لم تقترن بحرية إبداء الرأى، ولم يحدث أن لام رسول الله { أحدًا؛ لأنه أخطأ في اجتهاده ولم يوفق في رأيه..."(2).
هذه الحرية التي ربى عليها رسول الله { أصحابه، مكّنت مجتمعهم من الاستفادة من عقول جميع أهل الرأي السديد، والمنطق الرشيد؛ فالقائد فيهم ينجح نجاحًا باهرًا وإن كان حديث السن؛ لأنه لم يكن يفكر برأيه المجرد، أو آراء عصبة مهيمنة عليه، قد تنظر لمصالحها الخاصة، قبل أن تنظر لمصلحة المسلمين العامة، وإنما يفكر بآراء جميع أفراد جنده، "وقد يحصل له الرأي السديد من أقلهم سمعة، وأبعدهم منزلة من ذلك القائد؛ لأنه ليس هناك ما يحول بين أي فرد منهم، والوصول برأيه إلى قائد جيشه"(3).
ومن الأمور المهمة عند أخذ الشورى: إخلاص النية، وصفاء القلوب وتجردها لله رب العالمين مع التأدب بأدب إبداء الرأي والسمع والطاعة، وأدب المناقشة ومفهوم عرض الرأي المعارض.


سابعًا: الصبر عند نزول الشدائد:


الداعية يواجه الناس بدعوته التي تخالف أهواءهم وانحرافاتهم وغالبًا ما يقابلونها بالرفض والإنكار وإيذاء الدعاة فإذا لم يتخلق الدعاة بالصبر الجميل أصابهم الجزع والهلع والقعود عن الدعوة؛ ولهذا أمر الله رسوله { بالصبر على أذى المشركين وهو يدعوهم إلى الله، وفي هذا الأمر بالصبر أمر للدعاة أيضًا؛ قال تعالى: فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل (الأحقاف:35).
وصبر الدعاة يجب أن يستمر ويشتد حتى يأتي نصر الله؛ لأنه بدوام صبرهم على تبليغ الدعوة وتحملهم الأذى في سبيلها، يقرب موعود الله بنصرهم، وهذه هي سنة الله في الدعوة والدعاة، قال تعالى: ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على" ما كذبوا وأوذوا حتى" أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين 34 (الأنعام).
وقول الله فصبروا على" ما كذبوا تدل على أن رسل الله لم يرفعوا يدًا دفاعًا عن النفس أو انتقامًا لذواتهم، بل تخلقوا بخلق الصبر، واعتصموا بسكينة النفس، وكفوا أيديهم، واقتربوا من ربهم، ومع شدة البلاء يلزمون الصبر: ولنصبرن على" ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون 12 (إبراهيم).
فسلاح المؤمنين على لأواء الطريق وبلائه: القربى إلى الله، والصبر على الشدائد، وصدق الله إذ يقول: واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين 45 (البقرة) .. إنه الخلق الذي لا يستطيع أن يستغني عنه مؤمن، فضلاً عن أن يكون داعية إلى الله"(4).
وبعض الناس يظن أن الصبر سلوك سلبي، ويخلط بينه وبين الاستسلام والخنوع والمذلة، وما كان الصبر كذلك، بل هو جماعٌ للأخلاق الحميدة وللسلوك الإيجابي.
وهل حين صبر رسول الله { على الإيذاء والاستهزاء والسخرية والافتراء من أهله وقومه وأقرب الناس إليه نسبًا حتى قال مقولته الشهيرة: "والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني..." إلخ، هل كان سلبيًا يوم أن قال مقولته هذه وهو ثابت على الحق، يتحلي بأخلاق كريمة، ودعوة حكيمة، ومجادلة بالتي هي أحسن!؟
ولهذا نهى الإسلام عن ضد الصبر فقال: ولا تبطلوا أعمالكم 33(محمد)، وإبطالها ترك الصبر على إتمامها، كما قال: فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل (الأحقاف:35). والاستعجال من عدم الصبر، وقال: ولا تهنوا ولا تحزنوا(آل عمران:139)، والوهن من عدم الصبر؛ لأنه حب الدنيا وكراهية الموت، وقد نهى الله رسوله { أن يتشبه بصاحب الحوت، حيث لم يصبر صبر أولي العزم، وامتلأ غيظًا وغضبًا وحزنًا من قومه ولم يصبر عليهم، فقال: فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى" وهو مكظوم 48 (القلم)(5).
"والتواصي بالصبر ضرورة؛ لأن القيام على الإيمان والعمل الصالح، وحراسة الحق والعدل من أعسر ما يواجه الفرد والجماعة، ولابد من الصبر على جهاد النفس وجهاد الغير، والصبر على الأذى والمشقة، والصبر على تبجح الباطل، والصبر على طول الطريق وبطء المراحل وانطماس المعالم وبُعد النهاية"(6).


ثامنًا: الإصرار على تبليغ الدعوة:


واجه رسول الله { والصحب الكريم معه حربًا مستعرة من السخرية والتحقير، والقتل والتعذيب، حتى ليقول الشيخ الغزالي: "وتألفت جماعة للاستهزاء بالإسلام ورجاله، على نحو ما تفعل الصحافة المعارضة عندما تنشر عن الخصوم نكتًا لاذعة، وصورًا مضحكة للحط من مكانتهم لدى الجماهير، وبهذين اللونين من العداوة وقع المسلمون بين شقي الرحى:
فرسولهم يُنادى بالمجنون: وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون (6) (الحجر).
ويُوصم بالسحر والكذب: وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب (4) (ص).
ويُشَيَّع ويُستقبل بنظرات ملتهبة ناقمة، وعواطف منفعلة هائجة: وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون 51 (القلم).
وليس حظ سائر المسلمين بأفضل من هذه المعاملة، فهم في غدِّوهم ورواحهم محل التندُّر واللمز: إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون 29 وإذا مروا بهم يتغامزون 30 وإذا \نقلبوا إلى" أهلهم \نقلبوا فكهين 31 وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون 32 وما أرسلوا عليهم حافظين 33 (المطففين).
ولم يكن جواب هذا التندّر والاستهزاء إلا مزيد من الإصرار على تبليغ دعوة الله (عز وجل): فهذا رسول الله { يغشى مجالس الكفار ومجامعهم، ويحدثهم عن الإسلام ويطلب منهم النصرة.
عن جابر (رضي الله عنه): كان رسول الله { يعرض نفسه بالموقف فيقول: "ألا رجل يحملني إلى قومه! فإن قريشًا منعوني أن أبلِّغ كلام ربي"(7).
فلم يأبه رسول الله للشدائد التي اعترضت طريقه، ولا للعقبات التي وقفت أمامه، كذلك لم ترهبه قوة الزعامات من الأشخاص والقبائل، لأن الدعوة التي جاء بها { لم تكن لمجرد "بناء وطن صغير بل كانت إنشاءً جديدًا لأجيال وأمم تظل تتوارث الحق وتندفع به في رحاب الأرض إلى أن تنتهي من فوق ظهر الأرض قصة الحياة والأحياء..
فما تصنع خصومة فرد أو قبيلة لرسالة هذا شأنها في حاضرها ومستقبلها؟ ومَنْ أولئك الخصوم؟
متعصبون تحجرت عقولهم، تزيِّن لهم سطوتهم البطش بمن يخالفهم: وإذا تتلى" عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير 72 (الحج).
أم مترفون سرتهم ثروتهم، يحبون الباطل لأنه على أرائك وثيرة، ويكرهون الحق لأنه عاطل عن الحلي والمتاع: وإذا تتلى" عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا 73 (مريم).
أم متعنتون يحسبون هداية الرحمن عبث صبية، أو أزياء غانية، فهم يقولون: دع هذا وهات ذاك: وإذا تتلى" عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا \ئت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى" إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم 15 (يونس).
أم مهرجون يتواصون بينهم بافتعال ضجة عالية وصياح منكر عندما تُقرأ الآيات، حتى لا تُسمع فتفهم، فتترك أثرًا في عقل نقي وقلب طيب: وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون 26(فصلت)(8).
أليس هؤلاء هم أعداء الدعوة في القديم والحديث مع اختلاف العصور، وتنوع فنون المحاربة والصد عن سبيل الله؟
لقد مضى رسول الله { في طريقه مجتازًا كل ما كان يُلقى أمامه من صعاب وهكذا ينبغي أن يمضي الدعاة والمؤمنون من بعده، من دون أن يكسر من عزمهم، أو يفت في عضدهم، أو يفتّر من حَميتّهم في الدعوة إلى الله ما يقدمونه من تضحيات؛ "فالدعوة لا يُكتب لها النصر إذا لم تُبذل في سبيلها الأرواح، ولا شيء يمكن للدعوة في الأرض مثل الصلابة في مواجهة الأحداث والأزمات، واسترخاص التضحيات من أجلها..
إن الدعوات بدون قوى أو تضحيات يوشك أن تكون فلسفات وأخيلة، تلفها الكتب، وترويها الأساطير، ثم تطوى مع الزمن..
إن للسعادة ثمنًا، وإن للراحة ثمنًا، وإن للمجد والسلطان ثمنًا، وثمن هذه الدعوة دم زكي يهراق في سبيل الله من أجل تحقيق شرع الله ونظامه، وتثبيت معالم دينه على وجه البسيطة"(9).
الهوامش
(1) المستفاد من قصص القرآن، ج2، ص148.
(2) السيرة النبوية، ج2، ص108، 109.
(3) السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث، للدكتور محمد علي الصلابي، ص11، وعزاه المؤلف إلى التاريخ الإسلامي للحميدي 4-110.
(4) الدعوة: قواعد وأصول، جمعة أمين عبد العزيز، ص61، ط. دار الدعوة بالإسكندرية، ط2، 1409ه 1989م.
(5) السابق، ص58، 59.
(6) في ظلال القرآن، ج6، ص3968.
(7) فقه السيرة، محمد الغزالي ص120، 121، والحديث أخرجه أبو داود (2-278) (4-57)، وقال عنه الترمذي: حديث حسن صحيح، وأخرجه الحاكم (2-612، 613) وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
(8) فقه السيرة، مرجع سابق، ص117، 118.
(9) السيرة النبوية، ص188، 189.

http://www.almujtamaa-mag.com/Detail.asp?InNewsItemID=143180