عبدالله الخليفة
12-30-2007, 05:18 PM
أضلاع التربية الثلاثة.. من يجبر كسرها؟
د.كمال سالم عوض
في قريتنا النائمة بوداعة على أحد أذرع النيل لا يوجد أسهل من إنجاب الأطفال. وبنفس سهولة الإنجاب تأتي بساطة التربية، كما يتوهم الكثيرون خطأ فكل أب في قريتي يعتقد أنه يربي أولاده أحسن تربية عندما يوفر لهم المطعم والمشرب والتلفاز والثلاجة وأقساط الدروس الخصوصية. أما تنشئة النشء على القيم والصفات الحميدة وتعليم الصلاة ونظافة الملبس والجسم فقلما يتعب الآباء أنفسهم بالتفكير فيها، إذ يتولى ذلك عنهم جميعاً كائن مفرط السخاء والتحمل والإخلاص: الشارع. بمجرد مغادرة الطفل مرحلة الحبو، واشتداد ساقيه تقذفه الأم إلى حضن الشارع من مشرق الشمس حتى غروبها، بينما يعتكف الأبوان في إحدى حجرات البيت الريفي الهادئ.
وينطلق الصغار بلا قيد إلى اللعب في الأجران وعلى شاطئ الترعة وخلف البيوت، ويبدؤون في تلقي أسس التربية (السليمة) من الشارع، فيتعلمون الكذب والخداع ويتدربون على خطف الثمار من الحقول، ويتقنون فنون الاعتداء على حقوق الآخرين، ويتلقون دورات مكثفة في السب واللعن وأخذ الحق بالذراع!.
ومما يثير الفخر بل الحزن والأسى أن أطفال شارعنا تفوقوا على كل أطفال القرى، بل وعلى أطفال العالم بفوزهم بالمركز الأول على مستوى العالم في السب، وهذا نتاج جهد كبير للشارع الذي وفر لهم لقاءات منتظمة بين الأمهات والآباء انهمرت فيها الشتائم. كان الصراع ينفجر بسهولة ويسر في أي وقت من أوقات النهار أو الليل ومع أتفه سبب: سكب بعض الماء القذر أمام أحد البيوت، ترميم أحد الجدران المشتركة، محاولة فتح نافذة أو الحفر من أجل إصلاح ماسورة مياه عاطبة.
ومع بداية (الحفل) يتبادل الجميع (أوعية) السب فتعيها أذن الأطفال الواعية، ليعيدوا تداولها في الصباح مع أول اختلاف في اللعب.
هكذا أوى أطفال قريتنا إلى ضلع جديد ووحيد للتربية بعدما فقدوا أضلاع مثلث التربية الثلاثة، فقد انكسر الضلع الأول بغياب دور الأسرة خلف ستائر الجهل والأمية وأوجاع الحياة اليومية، وغرق الأب في بحر الأسعار والأقساط وعَدْوه المسعور للحاق بقطار المدينة المتوحش، وراح الأب يدور كالمجنون بحثاً عن البيت الحديث وحجرة السفرة والصالون والتلفاز الملون ومصاريف المصيف والملابس المستوردة.
وتاهت الأم في تنظيف البيت وإعداد أصناف الطعام ومتابعة المسلسلات التي لا يتوقف سيلها، وتضاءلت مهمة تربية الأطفال وانحصرت في تسمينهم وكسوتهم، وقبل فقد الضلع الأول، كان الضلع الثاني قد دمر مع سبق الإصرار والترصد، إذ سقطت المدرسة في فخ أعد بعناية خبيثة: يحمل الطفل حقيبته المكدسة بالكتب في الصباح ويمكث ست ساعات في فصل مزدحم وهواء فاسد أمام معلمين هم في حاجة للتعلم أشد من الطفل، يظل الطفل يتجرع أفكاراً ومعلومات، ليس من بينها أبداً دراسة القرآن والسيرة والفقه والتاريخ الإسلامي، حتى إذا ما أزفت الامتحانات (تقيأ) الطفل ما (تجرعه) طوال العام، فيستريح عقله ويهنأ رجال التعليم، ولم يتبق لأطفال قريتنا سوى الضلع الثالث، "المسجد"، والأطفال يحبون المسجد بفطرتهم إذ لا يوجد في القرية من يغرس فيهم هذا الحب لأن كثيراً من الآباء لا يولون وجوههم شطر المسجد إلا مرة واحدة في الأسبوع، يوم الجمعة، والأطفال يؤمون المسجد أربع مرات يومياً، ليس من أجل الصلاة بل للعب.
والجميل في أطفال المسجد أنهم يصطفون في صف خاص بهم خلف المصلين حتى إذا أطلق الإمام تكبيرة الإحرام أطلقوا ضحكاتهم المكتومة ولكماتهم وأرجلهم ركلاً ورفساً، وإذا سجد الإمام هوت أكف الأطفال على أقفية الصغار منهم، حتى إذا وصل الإمام إلى التشهد لم يشهده أحد منهم، إذ يركضون بلا نظام إلى الخارج، والمصلون لا يتفقون على شيء كاتفاقهم على سب الأطفال! في كل مرة يبدأ الإمام (سيمفونية) سب الأطفال، وينخرط الجميع معه في (كورال) منتظم للسب والشتم، لكن الشيء المؤسف أن جهدهم كان يضيع سدى، إذ إن المعنيين بالأمر يفرون في اللحظة الأخيرة. وقد رأى الإمام ذات مرة نقل حفلة السب على الهواء مباشرة فأمسك بسماعة (الميكروفون) القابع فوق المئذنة، وأطلق ما شاء من صور اللوم والتأنيب للأطفال وأولي أمرهم ثم جلس يستغفر ويسبح ويدعو!
وكنت كلما بدؤوا في السب، أسرعت بالعدو إلى خارج المسجد. كما أنني كنت أغضب منهم. غير أن عقلي تحرك ذات مرة وقليلاً ما يفعل وسألني: ماذا يريد الإمام وجوقته من الأطفال؟ فصمت كعادتي. فقال لي: إنهم يريدون منهم الالتزام بآداب المسجد والصلاة، ولكن كيف سيحصل الأطفال على هذه الآداب؟ فتشجعت وقلت لعقلي: قل أنت. فقال: إن هذه القيم يحصل عليها الطفل من البيت أو المدرسة أو المسجد، وإذا كان البيت في سُكرة والمدرسة محتلة بفكر بعيد عن الدين، فلم يبق غير المسجد، وبالطبع لن ينزل ملك من السماء ليعلم الأطفال، أعجبت بطريقة عقلي في التفكير وقلت له: وماذا ترى؟ فقال: لماذا لا تعلم هؤلاء الأطفال آداب الصلاة و المسجد، وتعتبر هذا العمل إجابة لذلك السؤال الصعب الذي لم تجد له إجابة؟ سررت جداً من رجاحة عقلي وقررت خوض التجربة ظناً لفرط سذاجتي أنها سهلة وبسيطة ولم أكن أتصور أبداً صعوبة ما سأواجه.
http://www.almujtamaa-mag.com/Detail.asp?InNewsItemID=141995
د.كمال سالم عوض
في قريتنا النائمة بوداعة على أحد أذرع النيل لا يوجد أسهل من إنجاب الأطفال. وبنفس سهولة الإنجاب تأتي بساطة التربية، كما يتوهم الكثيرون خطأ فكل أب في قريتي يعتقد أنه يربي أولاده أحسن تربية عندما يوفر لهم المطعم والمشرب والتلفاز والثلاجة وأقساط الدروس الخصوصية. أما تنشئة النشء على القيم والصفات الحميدة وتعليم الصلاة ونظافة الملبس والجسم فقلما يتعب الآباء أنفسهم بالتفكير فيها، إذ يتولى ذلك عنهم جميعاً كائن مفرط السخاء والتحمل والإخلاص: الشارع. بمجرد مغادرة الطفل مرحلة الحبو، واشتداد ساقيه تقذفه الأم إلى حضن الشارع من مشرق الشمس حتى غروبها، بينما يعتكف الأبوان في إحدى حجرات البيت الريفي الهادئ.
وينطلق الصغار بلا قيد إلى اللعب في الأجران وعلى شاطئ الترعة وخلف البيوت، ويبدؤون في تلقي أسس التربية (السليمة) من الشارع، فيتعلمون الكذب والخداع ويتدربون على خطف الثمار من الحقول، ويتقنون فنون الاعتداء على حقوق الآخرين، ويتلقون دورات مكثفة في السب واللعن وأخذ الحق بالذراع!.
ومما يثير الفخر بل الحزن والأسى أن أطفال شارعنا تفوقوا على كل أطفال القرى، بل وعلى أطفال العالم بفوزهم بالمركز الأول على مستوى العالم في السب، وهذا نتاج جهد كبير للشارع الذي وفر لهم لقاءات منتظمة بين الأمهات والآباء انهمرت فيها الشتائم. كان الصراع ينفجر بسهولة ويسر في أي وقت من أوقات النهار أو الليل ومع أتفه سبب: سكب بعض الماء القذر أمام أحد البيوت، ترميم أحد الجدران المشتركة، محاولة فتح نافذة أو الحفر من أجل إصلاح ماسورة مياه عاطبة.
ومع بداية (الحفل) يتبادل الجميع (أوعية) السب فتعيها أذن الأطفال الواعية، ليعيدوا تداولها في الصباح مع أول اختلاف في اللعب.
هكذا أوى أطفال قريتنا إلى ضلع جديد ووحيد للتربية بعدما فقدوا أضلاع مثلث التربية الثلاثة، فقد انكسر الضلع الأول بغياب دور الأسرة خلف ستائر الجهل والأمية وأوجاع الحياة اليومية، وغرق الأب في بحر الأسعار والأقساط وعَدْوه المسعور للحاق بقطار المدينة المتوحش، وراح الأب يدور كالمجنون بحثاً عن البيت الحديث وحجرة السفرة والصالون والتلفاز الملون ومصاريف المصيف والملابس المستوردة.
وتاهت الأم في تنظيف البيت وإعداد أصناف الطعام ومتابعة المسلسلات التي لا يتوقف سيلها، وتضاءلت مهمة تربية الأطفال وانحصرت في تسمينهم وكسوتهم، وقبل فقد الضلع الأول، كان الضلع الثاني قد دمر مع سبق الإصرار والترصد، إذ سقطت المدرسة في فخ أعد بعناية خبيثة: يحمل الطفل حقيبته المكدسة بالكتب في الصباح ويمكث ست ساعات في فصل مزدحم وهواء فاسد أمام معلمين هم في حاجة للتعلم أشد من الطفل، يظل الطفل يتجرع أفكاراً ومعلومات، ليس من بينها أبداً دراسة القرآن والسيرة والفقه والتاريخ الإسلامي، حتى إذا ما أزفت الامتحانات (تقيأ) الطفل ما (تجرعه) طوال العام، فيستريح عقله ويهنأ رجال التعليم، ولم يتبق لأطفال قريتنا سوى الضلع الثالث، "المسجد"، والأطفال يحبون المسجد بفطرتهم إذ لا يوجد في القرية من يغرس فيهم هذا الحب لأن كثيراً من الآباء لا يولون وجوههم شطر المسجد إلا مرة واحدة في الأسبوع، يوم الجمعة، والأطفال يؤمون المسجد أربع مرات يومياً، ليس من أجل الصلاة بل للعب.
والجميل في أطفال المسجد أنهم يصطفون في صف خاص بهم خلف المصلين حتى إذا أطلق الإمام تكبيرة الإحرام أطلقوا ضحكاتهم المكتومة ولكماتهم وأرجلهم ركلاً ورفساً، وإذا سجد الإمام هوت أكف الأطفال على أقفية الصغار منهم، حتى إذا وصل الإمام إلى التشهد لم يشهده أحد منهم، إذ يركضون بلا نظام إلى الخارج، والمصلون لا يتفقون على شيء كاتفاقهم على سب الأطفال! في كل مرة يبدأ الإمام (سيمفونية) سب الأطفال، وينخرط الجميع معه في (كورال) منتظم للسب والشتم، لكن الشيء المؤسف أن جهدهم كان يضيع سدى، إذ إن المعنيين بالأمر يفرون في اللحظة الأخيرة. وقد رأى الإمام ذات مرة نقل حفلة السب على الهواء مباشرة فأمسك بسماعة (الميكروفون) القابع فوق المئذنة، وأطلق ما شاء من صور اللوم والتأنيب للأطفال وأولي أمرهم ثم جلس يستغفر ويسبح ويدعو!
وكنت كلما بدؤوا في السب، أسرعت بالعدو إلى خارج المسجد. كما أنني كنت أغضب منهم. غير أن عقلي تحرك ذات مرة وقليلاً ما يفعل وسألني: ماذا يريد الإمام وجوقته من الأطفال؟ فصمت كعادتي. فقال لي: إنهم يريدون منهم الالتزام بآداب المسجد والصلاة، ولكن كيف سيحصل الأطفال على هذه الآداب؟ فتشجعت وقلت لعقلي: قل أنت. فقال: إن هذه القيم يحصل عليها الطفل من البيت أو المدرسة أو المسجد، وإذا كان البيت في سُكرة والمدرسة محتلة بفكر بعيد عن الدين، فلم يبق غير المسجد، وبالطبع لن ينزل ملك من السماء ليعلم الأطفال، أعجبت بطريقة عقلي في التفكير وقلت له: وماذا ترى؟ فقال: لماذا لا تعلم هؤلاء الأطفال آداب الصلاة و المسجد، وتعتبر هذا العمل إجابة لذلك السؤال الصعب الذي لم تجد له إجابة؟ سررت جداً من رجاحة عقلي وقررت خوض التجربة ظناً لفرط سذاجتي أنها سهلة وبسيطة ولم أكن أتصور أبداً صعوبة ما سأواجه.
http://www.almujtamaa-mag.com/Detail.asp?InNewsItemID=141995