المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التربية الإسلامية والتنمية الثقافية


عبدالله الخليفة
12-30-2007, 04:51 PM
التربية الإسلامية والتنمية الثقافية

عبد الرحمن شيخ حمادي


لعلنا نشفق على أنفسنا من كثرة ما تحدثنا ونتحدث عن القصور الإعلامي والتربوي الذي نمارسه تجاه أطفالنا وما يرافق هذا القصور من ممارسات ضررها أكثر من نفعها. ورغم كل ما تحدثنا به عن قصورنا هذا لا نمل من العودة بين الفينة والأخرى إلى هذا الجانب؛ وهي عودة تستوجبها هذه الصحوة الإسلامية المباركة التي يعيشها العالمان العربي والإسلامي؛ ولكنها صحوة رغم اتساعها وإشراقها مازالت تثير التساؤلات حول وضع الطفل المسلم والشاب المسلم من الناحيتين التربوية والإعلامية؛ الذي صار إشكالية يجب أن نسعى إلى حلها على أسس عقلانية وعلمية؛ ووفق ما نصَ عليه شرعنا الإسلامي المتكامل.
ولنوضح هذه الإشكالية، ليعد كل منا إلى طفولته، وليحاكم من كانوا يقومون على تربيتنا آنذاك؛ وسنجدهم كانوا يخطئون تجاهنا تربوياً. وبالطبع لا نلومهم الآن؛ فهم تلقوا ما مارسوه علينا عن آبائهم؛ على أساس أنه التربية الصحيحة، وبدورنا صرنا نمارسه على أطفالنا على نفس الأساس. فهل كانت هي التربية الصحيحة حقا؟
لأجيب أذكر من سنوات طفولتي الأولى، ذلك المعلم الوقور الفاضل الذي كان يعلمنا في الصف الثاني الابتدائي؛ وخلال شهر رمضان المبارك كان يحدثنا عن فضائل الشهر وفوائد الصوم؛ ومنها كما كان يشرح: تربية الإرادة عند الإنسان؛ فيمتنع الصائم عن الطعام والشراب وهما بين يديه؛ و ".. يمتنع عن الاقتراب من زوجته طوال النهار وهي معه في بيت واحد"!
كانت كلماته الأخيرة تشعرنا بالخجل مما كان يفعله آباؤنا مع أمهاتنا في النهار؛ فآباؤنا يقتربون من أمهاتنا أثناء فترة الصوم؛ وأبى كان يربت بيده على كتف أمي مثنياً على جهودها في أعداد مائدة الإفطار!!
ولهذا لم يعد واحد منا يتمالك خجله مما يفعله والداه وهو يسمع نفس درس المعلم عن عدم "اقتراب" الزوج من زوجته خلال فترة الصوم؛ فوقف باكياً وأعلن بخجل أن أبيه يجلس بجانب أمه؛ بل يصلي إلى جانبها؛ وعندها تبسم المعلم أدرك أي مفهوم خاطئ لكلمة "الاقتراب" قد زرعه في نفوسنا؛ فقرر أن يصحح هذا الخطأ فقال: أنا يا أبنائي لم اقصد أنه خلال فترة الصوم نهاراً لا يجوز أن يقترب الزوج من زوجته أو يلمسها كما فهمتم؛ بل قصدت أنه لا يجوز أن يعاشر الزوج زوجته نهاراً..
زادتنا كلماته حيرة؛ وبالطبع لم نجرؤ على سؤاله عن معنى "أن يعاشر الزوج زوجته"! ولكني أتساءل الآن إن كان من الضروري أن يحدثنا معلمنا آنذاك عن هذه الناحية ونحن في سنَ لا تؤهلنا للاستماع إلى مثل هذا الحديث.


وحرّم عالمنا الرياضة!!


ومثال آخر عندما وقف أحد علمائنا خطيبا في يوم الجمعة؛ ولعل هذا العالم قد انتبه إلى أن عدداً كبيراً من المصلين هم من الشباب واليافعين؛ والذين صارت تمتلئ بهم مساجدنا في كل صلاة ضمن صحوتنا الإسلامية؛ ولذلك ارتجل عالمنا الفاضل هذا خطبة أثنى في مستهلها على الشباب لمواظبتهم على حضور صلوات أيام الجمع؛ ولكنه سرعان ما انهال عليهم بسياط الوعيد والتهديد، وأنذرهم بالويل والثبور لأنهم يمضون قسماً من أوقاتهم في مشاهدة مباريات كرة القدم والذهاب إلى الملاعب، مشجعين هذا الفريق أو ذاك؛ بدلاً من أن يستغلوا كل أوقاتهم في قراءة القرآن الكريم والعبادات!
ولكي لا أطيل في الأمثلة غير السارة هذه أذكر مثلاً مضاداً، وذلك عندما عاد ابني المراهق من مدرسته ليخبرني أن فريقه الكروي قد فاز في مباراة كرة القدم على الفريق الخصم من نفس الصف، مع أن مدرس مادة التربية الدينية هو حارس المرمى في الفريق الخصم ذاك؛ فساقني الفضول لزيارة المدرسة في اليوم التالي لالتقي مدرس التربية الإسلامية ذاك، فشرح لي أن الطلاب قد شغلتهم محلات ألعاب الفيديو والكمبيوتر على ما فيها من ضرر عليهم فرأى أن يحول طاقتهم إلى الرياضة. لذلك وبعد أن شرح لهم أن الإسلام قد أمر بممارسة الرياضة لما فيها من فوائد؛ قسم الصف إلى فريقين متنافسين؛ وصار يجري لهم مباريات كروية تنافسية، بالتنسيق مع إدارة المدرسة في حصص الأنشطة؛ ولكي يزيد من حماسهم للرياضة هذه جعل من نفسه حارس مرمى في أحد الفريقين.
إنه مثال مشرق ولكنه نادر. فرغم صحوتنا الإسلامية المباركة مازلنا نفتقد الخطاب التربوي الذي يراعي أعمار الفئات التي يتجه إليها؛ ولذلك تجدنا في معظم مدارسنا وعلى منابر مساجدنا نخاطب الأطفال على أنهم شباب؛ ونخاطب الشباب على أنهم كهول قد تجاوزوا احتياجات مرحلتهم العمرية. وفي النهاية نخاطب الجميع على أساس أنهم كهول، وعلى معظمهم أن ينتظروا مصائرهم القاتمة لأنهم يمارسون ما يمارسه الأطفال واليافعين والشباب! وما أكثر الأمثل!
وأراني مرة أخرى أنساق للأمثلة؛ فأقف عند كتاب في أحد مناهج التربية في دولة عربية مسلمة، وفي هذا الكتاب درس عن يوم القيامة يتضمن صورة لوادٍ مليء بالوحوش والشياطين المرعبة، وكلها متوثبة لالتهام الأطفال الذين يتساقطون من أعلى الوادي لأنهم وكما في الصورة يمشون على خيط رفيع ممتد على طرفي الوادي ليعبروا فوقه من طرف لآخر؛ وهذا الخيط هو الصراط؛ والأطفال الذين يقعون من فوقه وهم يعبرون عليه هم الأطفال الذين ساءت أعمالهم في الدنيا.
وأتساءل: هل هناك رعب وترهيب موجه لأطفال مسلمين أكثر من هذا الرعب؟
قد يقول قائل: أو تريد أن نغيِّب عن مناهجنا التربوية الموجهة للأطفال؛ وعن خطبنا الدينية حقائق ثابتة فلا نتحدث عنها؟!


الاحتكام للسيرة النبوية


إن الجواب على مثل هذه التساؤلات تقدمه السيرة النبوية الشريفة، ويجيب عنها المنهج التربوي المتكامل كما مارسه وقدمه لنا الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ؛ فمن الثابت أن الأطفال قد حظوا باهتمام كبير جداً منه صلى الله عليه وسلم ؛ فكان يقطع صلاته تأثراً إذا سمع بكاء طفل، ويلوم أمه لأنها لا تسكته وتمنع عنه أسباب البكاء من جوع أو وجع؛ وكان صلى الله عليه وسلم كان يطيل السجود في صلاته عندما يصعد حفيداه رضي الله عنهما على ظهره الشريف وهو ساجد كي لا يفسد عليهما متعة ممارستهما لطفولتهما.
هذه الأمثلة وكثير غيرها مما حفلت به السيرة النبوية الشريفة برهان ساطع على أن النبي الكريم والمعلم الأول صلى الله عليه وسلم قد ترك لنا منهجاً تربوياً متكاملاً؛ راعى فيه صلوات الله عليه دائماً مراحل العمر وما تحتاجه وكيفية وماهية الخطاب الموجه إليها.


التنمية الثقافية الإسلامية


ومرة أخرى أقول: إننا لا نلوم الآن ذاك المعلم أو هذا الخطيب في الأمثلة التي ذكرتها؛ بل نلوم أول ما نلوم قصور المنهج التنموي الثقافي؛ فما زال معظمنا يرى أن التنمية الثقافية هي التربية الدينية فقط؛ وأن تنمية الشعوب الإسلامية لن تكتمل ولن تتم إلا إذا توجهنا كلنا نحو العلوم الشرعية!!
إن التنمية الثقافية مفهوم يتسع لكافة مناحي الحياة الإنسانية ومختلف الجهد البشري؛ والتنمية الثقافية من المنظور الإسلامي تفرض علينا فيما تفرضه تحديد منابع الثقافة الإسلامية؛ فالثقافات في المجتمعات الإسلامية هي بالضرورة ثقافة إسلامية؛ والقرآن والسنَة الصحيحة هما القاعدة الراسخة التي يجب أن تقوم عليها الثقافة، وتنهض على أساسها التنمية الثقافية من منظور إسلامي؛ وهذان الرافدان هما البحر الزاخر الذي تنبثق عنه كل المنابع التي تمد الثقافة الإسلامية بالحياة وبالقوة وبالانتصار وبالقدرة الدائمة على الإشعاع المستمر؛ كما تشمل منابع التنمية الثقافية الإسلامية مجموع التراث الحي الذي خلفه سلف الأمة الإسلامية لخلفها؛ وهو التراث الزاخر الذي لا ينضب للحضارة الإسلامية في مظاهرها المتعددة.
والتنمية الثقافية أيضاً تتطلب منا القيام بعملية دقيقة لضبط المصطلحات وتقعيدها؛ لتجلية المفاهيم وتأصيلها؛ حتى لا تتداخل المعاني ويقع الخلط في الدلالات. ومنطلقنا في ذلك حقيقة أن السمة الإنسانية العلمية الروحانية هي السمة البارزة في ثقافتنا الإسلامية؛ وهي السمة التي جعلتها ثقافة مؤمنة؛ إنسانية؛ هادفة؛ بنَاءة؛ تستجيب لحاجات الإنسان الجسدية والروحية؛ وتلبي طموحاته؛ وتنسجم مع فطرته؛ وتقوي في النفس البشرية حوافز الأمل والثقة والرجاء ونوازع الحق والخير والجمال. وبهذا المعنى الجميل الراقي فإن القصد من عملية التنمية الثقافية يجب أن يكون خدمة الإنسان أولاً روحياً وثقافياً واجتماعياً واقتصادياً؛ ومن الوجوه كافة؛ ومن الجوانب كلها.

http://www.almujtamaa-mag.com/Detail.asp?InNewsItemID=216151