المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أطفال المسلمين ، كيف رباهم النبي الأمين؟


عبدالله الخليفة
11-27-2007, 08:20 PM
أطفال المسلمين ، كيف رباهم النبي الأمين صلى الله عليه وسلم ؟
إعداد: جمال عبد الرحمن
الحلقة الثالثة عشرة

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.. وبعد.
نواصل في هذا العدد بيان هدي رسولنا صلى الله عليه وسلم في العدل بين الأبناء، وكذا هديه في تنمية مواهبهم العقلية وأيضا مواساته صلى الله عليه وسلم لليتامى منهم وتحذيره من ظلم اليتيم ومن الاعتداء على حقه، وبيان ذلك ما يلي:
(54) ويأمر صلى الله عليه وسلم بالعدل بينهم ذكورًا وإناثًا :
يقول الحبيب صلى الله عليه وسلم : "اتقوا اللَّه واعدلوا في أولادكم"(1) ، لأن العدل يمنع الحسد والكراهية ، ويورث المحبة والألفة بين الإخوة ، ويعينهم على بر الوالدين والدعاء لهما .
وهذا أثر عن أنس رضي الله عنه أن رجلاً كان عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاءه ابن له فقَبَّله وأجلسه على فخذه ، وجاءت بنت له فأجلسها بين يديه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "ألا سوَّيت بينهم ؟"(2) . فلا بد من التسوية بين الأبناء حتى في القُبلة .
وكذلك يجب التسوية بينهم في العطاء ، فقد جاء النعمان بن بشير إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال : إني أعطيتُ ابني من عمرة بنت رواحة عطيةً ، فأمرَتْني أن أُشهدك يا رسول اللَّه ، قال: "أعطيتَ سائر ولدك مثل هذا ؟" قال : لا ، قال : "فاتقوا اللَّه واعدلوا بين أولادكم" فرجع في عطيَّته(3) . وفي رواية مسلم (3056) قال له النبي صلى الله عليه وسلم : "فلا تُشهدني إذَن فإني لا أشهد على جَوْر". وفي رواية النسائي (3620) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : "أليس يسرُّك أن يكونوا لك في البر سواءً ؟" قال : بلى، قال "فلا إذًا" . وفي رواية أحمد (17646) قال صلى الله عليه وسلم : "إني لا أشهد على جور ، إن لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم" .
فالواجب على الآباء العدل بين أبنائهم في الأمور الظاهرة المحسوسة التي يعرفها الأبناء ويحسونها حتى في الحب الظاهر ، أما إن كان في القلب ميل لأحدهم أكثر من غيره فلا حرج ، بشرط ألا يظهر له أثر في المعاملة الظاهرة .
وقد علمنا أن إخوة يوسف عليه السلام لمَّا رأوْا ميلا وحبًا زائدًا من أبيهم ليوسف أخيهم كادوا له كيدًا عظيمًا بلغ إلى محاولة قتله والتخلص منه ليخلو لهم وجه أبيهم. فاعتبروا أيها المربون.
(55) ويفصل صلى الله عليه وسلم بين المتقاتلين من الأطفال :
عن جابر بن عبد اللَّه قال : اقتتل غلامان ، غلام من المهاجرين وغلام من الأنصار ، فنادى المهاجر : يا للمهاجرين ، ونادى الأنصاري : يا للأنصار ، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقا : "ما هذا ؟ دعوى أهل الجاهلية ؟" قالوا : لا يا رسول اللَّه ، إلا أن غلامين اقتتلا ، فكسع أحدهما الآخر ( ضربه على مؤخرته ) ، فقال صلى الله عليه وسلم : "لا بأس ، ولينصر الرجل أخاه ظالمًا أو مظلوما ، إن كان ظالمًا فلينهه فإنه نصر له ، وإن كان مظلومًا فلينصره"(4) . بهذه الروح الرشيدة ، والتوجيهات السديدة ، يفصل النبي صلى الله عليه وسلم بين المتقاتلين الصغار ، ويصحح لهم الأفكار ويدعو إلى دفع الظلم الكبار .
(56) ويحرك صلى الله عليه وسلم المنافسة فيهم ليفجّر طاقاتهم المخزونة
عن ابن عمر رضي اللَّهُ عنهما أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال : " إن من شجر البوادي شجرة لا يسقط ورقها ، وإنها مثل المسلم ، فحدِّثوني ما هي ؟ " فوقع الناس في شجر البوادي ، قال عبد اللَّه : ووقع في نفسي أنها النخلة فاستحييت . ثم قالوا حدِّثْنا ما هي يا رسول اللَّه ؟ قال : " هي النخلة "(5) . وفي رواية مسلم (5027) قال عبد اللَّه : فذكرت ذلك لعمر قال : لأن تكون قلت هي النخلة أحَبُّ إليَّ من كذا وكذا . وهذا تحريك للمنافسة في عبد اللَّه من أبيه وتشجيع له أن يتحدث في مجالس الكبار ما دام سيتحدث بعلم ليس عندهم .
بل إن عمر نفسه رضي الله عنه ، يشجع الأطفال على تقديم ما لديهم من العلم في مجالس الكبار ، فيسألهم قائلاً : فيم ترون أُنزلت هذه الآية : أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب {البقرة : 266 }. فقالوا : اللَّه أعلم ، فغضب عمر فقال : قولوا نعلم أو لا نعلم ، فقال ابن عباس ( وكان أصغرهم ) : في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين ، فقال عمر : يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك ، فقال ابن عباس : ضُرِبت مثلاً لعمل ، فقال عمر : أي عمل ؟ فقال : لعمل ، فقال عمر : لرجل غني يعمل بطاعة اللَّه عز وجل ، ثم بعث اللَّه له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله(6).
(57) ويكافئ صلى الله عليه وسلم الفائزين منهم ليشجعهم
كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يصُفُّ عبد اللَّه ، وعبيد اللَّه ، وكُثَيْرًا(7) بَني عمه العباس رضي اللَّهُ عنهم ثم يقول : " من سبق إليَّ فله كذا وكذا " فيستبقون إليه، فيقعون على ظهره وصدره ، فيُقَبِّلُهم ويلتزمهم(8) .
وما فعل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ذلك إلا لأن المنافسة تنشط عقول الأطفال ، وتنمِّي مواهبهم ، وترفع همَّتهم .
(58) ويواسي صلى الله عليه وسلم اليتامَى ويبكي من أجلهم :
لقد وعد رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم كافل اليتيم بالرفقة في الجنة ، فقال صلى الله عليه وسلم : " أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا " وأشار بالسبَّابة والوسطى ، وفرَّج بينهما شيئًا(9).
ومن مواساته لليتامى بنفسه صلى الله عليه وسلم ؛ لمَّا أُصيب (استشهد ) جعفر بن عمه وأصحابه رضي الله عنهم ؛ وكانت أسماء بنت عميس زوجة جعفر ؛ تقول رضي الله عنها : لما أصيب جعفر وأصحابه ؛ دخلْتُ على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وقد دبغت أربعين منيئة ( جلد ) وعجنتُ عجينتين ، وغسلتُ بَنِيَّ ( أولادي ) ، ودهنتهم ونظَّفتهم ؛ فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : " ائتيني ببَنِيِ جعفر " قالت : فأتيته بهم ، فشمَّهم وذرفت عيناه ، فقلت : يا رسول ، بأبي أنت وأمي ، ما يُبْكيك ؟ أَبَلغَكَ عن جعفر وأصحابه شيء ؟ قال : " نعم أُصيبوا هذا اليوم " ، فخرجْتُ أصيح ، واجتمع إليَّ النساء ، وخرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى أهله فقال : " لا تُغفلوا آل جعفر من أن تصنعوا لهم طعامًا فإنهم قد شُغِلوا بأمر صاحبهم "(10) .
وعن عبد اللَّه بن جعفر رضي اللَّهُ عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أمهل آل جعفر ثلاثًا أن يأتيهم ( يعني لم يدخل عليهم ثلاثة أيام ) ثم أتاهم صلى الله عليه وسلم فقال : " لا تبكوا على أخي بعد اليوم أو غد ، ادعوا له ابنَيْ أخي " . فجئ بالحلاق فحلق رؤوسنا ، ثم قال صلى الله عليه وسلم : " أما محمد(11) فشبيه عمنا أبي طالب ، وأما عبد اللَّه فشبيه خَلْقي وخُلُقي " ، ثم أخذ بيدي فأشالها فقال : " اللهم اخلف جعفرًا في أهله ، وبارك لعبد اللَّه في صفقة يمينه " ، قالها ثلاث مرار ، قال: فجاءت أمُّنا فذكرت له يُتْمَنا وجعلت تُفْرِحُ له ( أي تذكر ثقل همِّها )، فقال: " العَيْلَة تخافين عليهم وأنا وليهم في الدنيا والآخرة "(12).
(59) ويتوعد صلى الله عليه وسلم من يعتدي على حق اليتيم
قال صلى الله عليه وسلم : " اللهم إني أُحَرِّج حق الضعيفين ؛ اليتيم والمرأة "(13).
أُحَرِّج : أضَيِّق وأحرِّم على مَن ظلمهما(14). وهل هناك أعظم تهديدًا ووعيدًا من قول اللَّه تعالى : إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا {النساء:10}؟
وإلى لقاء آخر إن شاء الله .

الهوامش :

(1) مسلم ، كتاب الهبات 3055 .
(2) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ج8 ص156 وقال : رواه البزار ، وقال : حدثنا بعض أصحابنا ولم يُسَمِّه وبقية رجاله ثقات . وانظر فتح الباري ج5 ص 214 .
(3) البخاري ، كتاب الهبة 2398 .
(4) مسلم ، كتاب البر والصلة 4681 .
(5) البخاري 59 ومسلم 5027 .
(6) البخاري 4174 .
(7) أحد أبناء عمه العباس رضي اللَّهُ عنهم .
(8) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ج9 ص17 : رواه أحمد وإسناده حسن .
(9) البخاري 4896 ، 5546 . ومالك في الموطأ ، كتاب الجامع ، وفيه "أنا وكافل اليتيم له أو لغيره في الجنة كهاتين إذا اتقى " .
(10) (حسن ) أحمد 25839، وابن ماجه عن أسماء أيضًا قالت : لما أصيب جعفر رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله فقال: " إن آل جعفر قد شغلوا بشأن ميتهم ، فاصنعوا لهم طعامًا " . حسنه الألباني بصحيح سنن ابن ماجه ح1317 .
(11) ابن جعفر . ومعنى العَيْلة : أي الفقر .
(12) إسناده صحيح ) أحمد ، مسند أهل البيت 1695 ، وصححه الأرناءوط والمقدسي في المختارة ج9 ح137 . وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر ح 1750 .
(13) الحاكم ج1 ح211 ، وانظر السلسلة الصحيحة ح1015 .
(14) النهاية لابن الأثير .

مجلة التوحيد (http://www.altawhed.com/Detail.asp?InSectionID=1331&InNewsItemID=111325)