المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرسول القائد.. مبتكراً


عبدالله الخليفة
11-18-2007, 09:23 PM
الابتكار في حياة النبي صلى الله عليه وسلم
الرسول القائد.. مبتكراً (1)
الابتكار في وسائل الإيضاح عند النبي صلى الله عليه وسلم



عبدالحميد البلالي
albelali@bashaer.org



عبدالحميد البلالي
لا يمكن أن ترى ناجحاً في هذه الحياة دون أن ترى جانباً من جوانب الابتكار في حياته. وإذا كنا نعتقد بأن خاتم المرسلين محمداً صلى الله عليه وسلم في مقدمة هؤلاء الناجحين فلا نعجز أن نرى الابتكار بارزاً في معظم جزئيات حياته البشرية. ولابد من الإشارة هناإلى أن الابتكار بمفهومه الذي تعارفنا عليه وهو "الجديد الذي لم يسبقه إليه أحد، إما بالإيجاد، أو بالزيادة على الموجود، أو بتنقيص شيء من الموجود" لا يخضع لما كان يتلقاه من وحي، فلا يجوز التصرف به ألبتة، بل يبلغه كما جاء من الله تعالى، بالصورة التي أرادها الله.
وإنما الابتكار الذي نعنيه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم هو ذلك المتصل بوسائل الإيضاح البشرية، التي يعرض فيها النبي صلى الله عليه وسلم ما بلغه به الله تعالى، ليسهل على المتلقين فهم الرسالة، وكذلك في الوسائل البشرية البحتة فيما لا علاقة له بالوحي مثل طرق الحرب والزراعة، والطب، وغيرها من الأمور، إلا أننا في هذه الحلقة سنركز فقط على وسائل الإيضاح.


ما هي الوسيلة؟


الوسيلة هي طريقة مادية أو معنوية يستعين بها الداعية لإيصال مفهوم ما إلى المدعو، تكون أكثر تأثيراً بالمدعو من الكلمة المجردة.
أقسامها عند النبي صلى الله عليه وسلم :
1 وسائل الإيضاح البعيدة.
2 وسائل الإيضاح القريبة.
3 استغلال الظواهر الطبيعية، وبعض أعمال الصحابة الكرام.


أولاً: وسائل الإيضاح البعيدة


التربية على حب الصلاة:
وذلك لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : "أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل به كل يوم خمس مرات، أيبقى من درنه شيء؟ قالوا: ما يبقى من درنه شيء. قال فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا"(1).
إن هذه الوسيلة المرئية، القريبة من جميع الناس مشترك في فهمها الفقير والغني، والأعرابي والحضري، والجاهل والعالم، والصغير والكبير. ومن هنا يبدو ذكاء النبي صلى الله عليه وسلم في استخدام وسائل الإيضاح، فالوسيلة لا يمكن أن تؤثر التأثير الكبير والواسع، ما لم تكن مفهومه لدى معظم شرائح المجتمع، وبلغة بسيطة سهلة تتدفق بسهولة ويسر للجميع.
يقول الإمام ابن حجر: "وفائدة التمثيل التأكيد، وجعل المعقول كالمحسوس"(2) وقال ابن العربي: "وجه التمثيل أن الإنسان كما يتدنس بالأقذار المحسوسة في بدنه وثيابه، ويطهره الماء الكثير، فكذلك الصلوات تطهر العبد من أقذار الذنوب"(3)
والابتكار لا يمكن فقط باستخدام وسيلة قريبة من الناس ويفهمها الجميع، بل في استخدامه لنوعية الوسيلة، فالماء هو أساس الحياة حيث يقول الله تعالى: وجعلنا من الماء كل شيء حي (الأنبياء30).
فكما أن الماء يسبب الحياة في الأمور الملموسة كالأرض والزرع والإنسان والحيوان وجميع الكائنات، كذلك الصلاة تسبب الحياة لإيمان الإنسان وأموره النفسية، فتارك الصلاة كالميت الذي يدب على الأرض، وهو جاف من الأحاسيس الإيمانية، وحلاوة الإيمان والراحة النفسية، والسعادة الروحانية، كجفاف الأرض عند انقطاع المياه عنها .


تصحيح أوضاع الصلاة


ويستخدم في هذا المثال، وسيلة يستخدمها معظم المزارعون من أهل المدينة، وهي الكلاب لحراسة مزارعهم، وللتواجد الكبير لهذا الحيوان بين الناس يضرب الرسول صلى الله عليه وسلم هذا المثل في إصلاحه لأوضاع الصلاة فيقول: "اعتدلوا في السجود، ولا يبسط ذراعيه كالكلب، وإذا بزق فلا يبزقن بين يديه، ولا عن يمينه، فإنما يناجي ربه"(4). فما إن يسمع هذا المثل المخالف، حتى يأنف أن يكون كالكلب في بسطه ليديه أثناء السجود، فيبادر لإصلاح وضع اليدين.


التربية على حب الله


ويستغل النبي صلى الله عليه وسلم أحد الوسائل البعيدة كل البعد عن الإنسان، ولكنها مضرب المثل للجمال والكمال، وأحد إلهامات الشعراء والأدباء، كما أنها لا تحتجب عن كل شرائح المجتمع ، ألا وهي (القمر).
فيقول مقرباً إليهم إمكانية رؤية الله تعالى يوم القيامة وطريقة هذه الرؤية، فيقول فيما رواه البخاري عن جرير: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإذا استطعتم ألا تغلبوا على الصلاة قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها فافعلوا" ثم قرأ وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب(5) والابتكار هنا أنه لم يسبقه صلى الله عليه وسلم أحد من الأنبياء في تقريب رؤية الله تعالى لأتباعه بمثل ما فعل، وفيه أيضاً التحفيز الرائع للمحافظة على الأذكار والصلاة كلما رؤوا البدر متألقاً فوقهم، فيحدوهم الأمل لرؤية وجه الله تعالى من خلال المحافظة على هذه الأعمال.


التربية على الإنفاق


إنه يعلم أن أغلى ما يحرص عليه المؤمن في هذه الحياة رضا الرب سبحانه، والخوف من غضبه باقتراف مسببات هذا الغضب من ذنوب يعرفونها، ومما تخفى عليهم..ف يذكر حقيقة ربانية وذلك بابتكار وسيلة مرئية وملموسة، وهي قدرة الماء على إطفاء النار فيشبه النار بالخطيئة، والماء في الصدقة، فيقول: "والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار"(6) مما جعل الصحابة الكرام يتسابقون فيما بينهم بالصدقات لتطفئ خطايا يعرفونها، وخطايا نسوها أو مما خفي عليهم، فهذا أبو بكر ينفق ماله كله في سبيل الله، وهذا عمر ينفق نصف ماله، وهذا عثمان رضي الله عنه يشتري الجنة أكثر من مرة بكثرة إنفاقه، إنه ابتكار التوجيه والتربية للجيل الفريد، وإنه فن صناعة الرجال العظماء من خلال ابتكار طرق التوجيه والتربية.


الهوامش:


(1) البخاري (فتح الباري 528) عن أبي هريرة ،السلفية.
(2) (3) فتح الباري 2-11 ط السلفية.
(4) البخاري فتح الباري 532
(5) البخاري فتح الباري 554
(6) طرف من حديث رواه الترمذي (614) وصححه الألباني (صحيح الترمذي 1-189).

مجلة المجتمع (http://www.almujtamaa-mag.com/Detail.asp?InSectionID=2332&InNewsItemID=221395)

عبدالله الخليفة
11-18-2007, 09:28 PM
الرسول القائد.. مبتكراً (2)
تابع الابتكار في وسائل الإيضاح عند النبي صلى الله عليه وسلم
عبدالحميد البلالي
albelali@bashaer.org



تناولنا في الحلقة السابقة.. الابتكار في وسائل الإيضاح عند النبي صلى الله عليه وسلم ، وذكرنا من ذلك.. وسائل الإيضاح البعيدة المنال، ونستكمل في هذه الحلقة بقية هذه الوسائل.


الترهيب من الغيبة:


إنه يبني مجتمعاً صادقاً متماسكاً بين لبناته، والغيبة خيانة وتضعضع لبنات هذا المجتمع، فيريد الترهيب والتنفير من هذا الخلق السيئ، فيلجأ إلى أسلوب مبتكر، وذلك عندما اغتابت السيدة عائشة سيدتنا صفية رضي الله عنهما، كما روت الأولى: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم : حسبك من صفية كذا وكذا، تعني قصيرة، فقال: "لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته"(1)، وهذا الأسلوب هو تضخيم الذنب الصغير ليبدو في عين المذنب عظيماً.
وإن المرء فعلاً ليعجب من فطنة النبي صلى الله عليه وسلم باستخدام هذا المثل، فمياه البحر تغطي ثلاثة أرباع الكرة الأرضية، فما مقدار كلمة (قصيرة) أمام مليارات الأطنان من المياه، في البحار والمحيطات؟ إنها عظمة استخدام أساليب التنفير من الذنب التي استخدمها الرسول القائد صلى الله عليه وسلم .


التربية على الزهد في الدنيا:


وقريب من مثال البحر للتنفير من معصية الغيب..ة يستخدم الرسول صلى الله عليه وسلم مرة أخرى وسيلة البحر للتربية على الزهد في دنيانا فيقول: "والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل أن يجعل أحدكم أصبعه هذه في اليم.. فلينظر بم يرجع"(2)، هكذا يصور الرسول صلى الله عليه وسلم الدنيا بما يرجعه الأصبع إذا وضعه في اليم، فماذا يرجع أكثر من قطرة أو قطرات ما تلبث أن تعود ثانية إلى اليم، فلا يبقى شيء بالإصبع؟
ويستخدم صلى الله عليه وسلم وسيلة أخرى منتشرة بين الناس وهي البعوضة، فيقول صلى الله عليه وسلم : "لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافراً منها شربة ماء"(3).
ولعل البعض يتصور الدنيا بملذاتها ومغرياتها كبيرة وخالدة، فيأتي هذا التشبيه المبتكر ليجمعها فتصغر هذه الصورة في خيال ذلك الهائم في خضم هذه الدنيا، وتصغر وتصغر وتصغر حتى تكون كجناح بعوضة، فعندما يصل به الخيال والقدرة على تصور الدنيا بهذا الحجم، فيقول له الرسول صلى الله عليه وسلم إنها لا تعدل عند الله حتى ذلك الحجم، فلماذا التقاتل عليها والغفلة عن الهدف من الخلق بسببها؟!


الإكثار من الأعمال الصالحة:


ويحرص النبي صلى الله عليه وسلم على تربية الصحابة الكرام، ومن بعدهم، على الإكثار من الأعمال الصالحة، والاقتداء بالصالحين، ليقرب إليهم قيمة المعرضين عن الالتزام بالدين، فيقول صلى الله عليه وسلم : "يذهب الصالحون الأول فالأول، وتبقى حثالة كحثالة الشعير أو التمر لا يباليهم الله بالة"(4).
قال الداوودي: "الحثالة ما يسقط من الشعير عند الغربلة، ويبقى من التمر بعد الأكل"(5)، وقال الخطابي: "ألا يباليهم الله بالة، أي لا يرفع لهم قدراً، ولا يقيم لهم وزناً"(6).


الاهتمام بالوقت:


لقد حرم الإسلام أكل الخنزير وكل ما يتصل به، ولذلك فإن المسلمين بشكل عام يكرهون الخنزير، بل لا يطيقون رؤيته، فيستغل الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك، ويبتكر وسيلة تقريبه لتنفيرهم من إضاعة الأوقات بما لا يرجع بهم شيئاً من الأجر، فيقول صلى الله عليه وسلم : "من لعب بالنردشير، فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه"(7).
قال الإمام القرطبي: قوله: "فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه"، هذا كناية عن تذكيته، وتذكيته حرام، فالحديث يدل على تحريم اللعب. وقال القاضي عياض: معنى "صبغ يده في لحم خنزير ودمه"، أي في حال أكله منه، فقد شبه اللعب في تحريمه بتحريم أكله.(8)، فبمجرد سماع هذا التشبيه فإن المسلم ينفر من هذا اللون من اللعب أشد النفور.


التربية على تجنب الفتن:


إنه يعيش في بيئة تكثر فيها زراعة النخيل، ومن النخيل يأخذون السعف ليصنعوا منه الحصر، فهم يرونها ويصنعونها بأيديهم، من هنا تتبدى عظمة المبتكر باختبار وسيلة الإيضاح.. من قلب البيئة القريبة الملموسة لتكون أشد وقعاً على السامع من أمر يجهله، أو لم يره من قبل؛ خاصة إذا تعلق الأمر بقضية عظمى مثل "تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً"..... الحديث(9).
قال الإمام محمد السنوسي: "المعنى كما ينسج الحصير عوداً عوداً لأن ناسج الحصير عند العرب كلما صنع عوداً أخذ آخر ونسجه، فشبه عرض الفتن على القلوب واحدة بعد أخرى بعرض قضبان الحصير على صانعها واحداً بعد واحد"(10).


التربية على تحسين الخلق:


ومن ابتكاره صلى الله عليه وسلم في وسائل الإيضاح.. اختياره أجمل الأشجار في الجزيرة، والتي يعشقها العربي ليشبهها بالمسلم، تحفيزاً للسامع على التمسك بالخلق الحسن، فيقول صلى الله عليه وسلم : "إن في الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي؟" فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبدالله بن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت ثم قالوا: حدثنا يا رسول الله. قال: "هي النخلة"(11).
قال الإمام ابن حجر العسقلاني: "ضرب الأمثال والأشباه لزيادة الأفهام، وتصوير المعاني لترسخ في الذهن، ولتحديد الفكر في النظر في حكم الحادثة"(12).


الهوامش


(1) رواه أبو داود وصححه الألباني(ص ج ص 5140).
(2) رواه مسلم (2858).
(3) أخرجه الترمذي (2321) وصححه الألباني (ص ج ص 5292).
(4) البخاري - فتح الباري 6434.
(5و 6) فتح الباري 1-252.
(7) رواه مسلم (2260) عن بريدة.
(8) مكمل إكمال الكمال شرح مسلم 6-67.
(9) رواه مسلم (144) وله تكملة.
(10) مكمل إكمال الكمال (1-251).
(11) رواه البخاري الفتح (61).
(12) فتح الباري 1-147 السلفية.



مجلة المجتمع (http://www.almujtamaa-mag.com/Detail.asp?InSectionID=2291&InNewsItemID=222200)

عبدالله الخليفة
11-18-2007, 09:33 PM
الرسول صلى الله عليه وسلم أعظم المبتكرين
الرسول القائد.. مبتكراً (3)
ثانياً: وسائل الإيضاح القريبة
بقلم: عبدالحميد البلالي
albelali@bashaer.org



عبدالحميد البلالي
تناولنا في الحلقات السابقة وسائل الإيضاح المبتكرة التي كان يستخدمها النبي صلى الله عليه وسلم في تربيته للصحابة الكرام، وفي هذه الحلقة نتطرق إلى الوسائل المبتكرة التي كان يستخدمها بيده لإيصال المفاهيم والقيم.


ثانياً: وسائل الإيضاح القريبة


وهي التي يستخدمها النبي صلى الله عليه وسلم عن قرب من الصحابة الكرام، إما بلمسها أو بتوضيحها بالرسم، أو ما شابهها، ومن أمثلتها:


التربية على التعلق بالآخرة


إذا كان الابتكار يتجلى في مجال استخدام (وسائل الإيضاح) في وسيلة من الوسائل، فلا نراه يتجلى بوضوح مثل تجليه في هذا الحديث الذي يذكر هذه الوسيلة الجريئة التي استخدمها الرسول صلى الله عليه وسلم ، حيث عمد إلى جثة جدي تفوح منه رائحة العفن، ليكون هو وسيلة الإيضاح لإيصال مفهوم حقارة الدنيا عند الله تعالى.
فعن جابر بن عبد الله أن الرسول صلى الله عليه وسلم مر بالسوق، داخلاً من بعض العالية، والناس كنفته، فمر بجدي أسك ميت فتناوله، فأخذ بأذنه ثم قال صلى الله عليه وسلم : "أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟" فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء وما نصنع به؟ قال: "أتحبون أنه لكم؟" قالوا: والله، لو كان حياً، كان عيباً فيه! لأنه أسك فكيف وهو ميت؟ فقال صلى الله عليه وسلم : "فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم"(1).
يتعجب المرء من هذا الذكاء المتميز، إذ كيف يخطر ببال أياً كان من مبتكري العالم أن يستخدم جثة حيوان ميت لإيصال مفهوم ما، وربما نجد من يتحدث وبقربه هذه الوسيلة، أما أن يعمد إلى رفعها بيده والذباب يحوم حولها، والرائحة النتنة تزكم الأنوف منها، فهذا مالم يسبقه إليه أحد، إنه صلى الله عليه وسلم أراد بحواره مع الصحابة أن يوصلهم إلى أقصى درجات التنفير من هذه الجثة، حتى إذا اطمأن لوصولهم إلى هذه الدرجة، قذف برسالته التي أراد إيصالها، وهذا بحد ذاته أسلوب فريد في إيصال المفاهيم، فكيف إذا اقترن بهذه الوسيلة الفريدة؟!


لوحات نبوية


لم يعهد عن نبي قبل الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أنه استخدم الرسم لإيصال المفاهيم، فالوسيلة عندما تمسك بين يدي المعلم ويستخدمها أمامهم تكون أكثر أثراً من الوسيلة التي لا يمسكها بيده وتكون بعيدة عنهم، فعن أنس } قال: خط النبي صلى الله عليه وسلم خطوطاً فقال: "هذا الإنسان، وهذا أجله، فبينما هو كذلك جاء الخط الأقرب"(2).
كان صلى الله عليه وسلم يستطيع أن يوصل هذا المفهوم بكلمات وعبارات، ولكن ابتكاره وسيلة الرسم تؤكد أن ما يراه الإنسان بعينيه كصورة، وما يقترن بها في العبارات، أكثر رسوخاً في العقل الباطن من الكلمات المجردة.
وبسبب فاعلية هذه الوسيلة لم يكتف الرسول صلى الله عليه وسلم بلوحة واحدة بل لجأ إلى تكرار هذه الوسيلة لمفاهيم أخرى... وهذا ما يؤكده الصحابي الجليل ابن مسعود } عندما أخبرنا بأن الرسول صلى الله عليه وسلم خطَّ خطاً مربعاً، وخط خطاً في الوسط خارجاً منه، وخط خططاً صغاراً إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط، وقال صلى الله عليه وسلم : "هذا الإنسان، وهذا أجله محيط به أو قد أحاط به وهذا الذي هو خارج أجله، وهذه الخطوط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا"(3).
لقد سبق الرسول صلى الله عليه وسلم فناني العالم بأسرهم في اللوحات التجريدية التي لم يكتشفها العالم ألا في القرن الثامن عشر، عصر فناني الثورة الصناعية التي بهرت لوحاتهم العالم بخطوطها التجريدية بعيداً عن الأرواح واللوحات الواقعية الكلاسيكية، بل تمتاز عن لوحاتهم التي لا تتحدث إلا عن طلاسم غير مفهومة بالحقائق الإنسانية والحقائق التي تنتظره بعد مفارقته لهذه الحياة.


ثالثاً:استغلال الحوادث وأعمال الصحابة


وثالث هذه الوسائل هي استغلاله للظواهر الطبيعية وبعض أعمال الصحابة رضي الله عنهم.


إصبع النبي صلى الله عليه وسلم


يصدم إصبعه الشريفة، فيخرج منها دم، فيلجأ إلى وسيلة مبتكرة، باستغلاله لهذه الفرصة، أفضل استغلال، ويربي صحابته على أنه غير مكترث مادام في سبيل الله، فيقول صلى الله عليه وسلم مخاطباً إصبعه أمامهم: "هل أنت إلا إصبع دميت، وفي سبيل الله ما لقيت"، وهو هنا يربيهم على الاحتساب عندما يصابون في سبيل الله، ويذكر الأجر ليهون عليهم المصاب.


التنفير من لبس الذهب


يرى النبي صلى الله عليه وسلم أحد الصحابة الكرام يلبس خاتماً من الذهب فلا يكتفي أن ينهاه عن لبسه، ويبين حرمته، بل يعمد إلى الابتكار في الأفكار، لا يصلح إلا لمن يمتلك سلطة فيغير ذلك بيده الكريمة، فقد روى ابن عباس رضي الله عنهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى خاتماً من الذهب في يد رجل، فنزعه وطرحه وقال: "يعمد أحدكم إلى حجرة من النار فيطرحها في يده؟" فقيل للرجل بعد أن ذهب الرسول صلى الله عليه وسلم : خذ خاتمك، انتفع به، قال: لا والله، لا آخذه أبداً، وقد طرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم (4)، هذا هو الأثر الذي تركته تلك الوسيلة في نفس ذلك الصحابي الكريم }.


الهوامش


(1) مسلم (2957).
(2) رواه البخاري فتح الباري (6418).
(3) رواه البخاري فتح الباري (6417).
(4) رواه مسلم (2090).

مجلة المجتمع (http://www.almujtamaa-mag.com/Detail.asp?InSectionID=2291&InNewsItemID=223679)

غـــ جنتي ـــايتي
11-21-2007, 06:56 PM
اللهم صلي على نبينا محمد وعلى أله وصحبه
لاعجب في ذلك
فهو من إختاره الله وأصطفاه لرسالتهـ
وأتاهـ جوامع الكلم

الأخ عبدالله
إستمتعت بماقرأت
فجزاك المولى خير الجزاء
وجعل ذلك في ميزان حسناتكـ
دمتم بفظ الرحمن

غـــ جنتي ـــايتي
11-21-2007, 07:03 PM
موضوع راائع بحق
ومتابعهـ للأجزاء
فجزاكم الله خير الجزاء
وجعل ذلك في ميزان حسناتكـ
دمتم بحفظ الرحمن

غـــ جنتي ـــايتي
11-21-2007, 07:12 PM
بكل مصداقيهـ من أجمل ماقرأت عن شخصية الرسول عليه السلام
وددت لو لم تنتهـ
أتمنى أن يكون هناكـ جزء أخر
باركـ الله فيكم
وجمعنا وإياكم نبينا في جنان الخلد
دمتم بحفظ الرحمن