طلحة الدهلوي
03-27-2007, 12:44 AM
مجموعة مقالات حول العمل التطوعي
1- الشباب والعمل الاجتماعي والتنموي التطوعي
مقـدمـة
يعتبر العمل الاجتماعي و التنموي التطوعي من أهم الوسائل المستخدمة للمشاركة في النهوض بمكانة المجتمعات في عصرنا الحالي, ويكتسب العمل الاجتماعي أهمية متزايدة يوماً بعد يوم, فهناك قاعدة مسلم بها مفادها أن الحكومات, سواء في البلدان المتقدمة أو النامية, لم تعد قادرة على سد احتياجات أفرادها ومجتمعاتها, فمع تعقد الظروف الحياتية ازدادت الاحتياجات الاجتماعية وأصبحت في تغيّر مستمر, ولذلك كان لا بد من وجود جهة أخرى موازية للجهات الحكومية تقوم بملء المجال العام وتكمّل الدور الذي تقوم به الجهات الحكومية في تلبية الاحتياجات الاجتماعية, ويطلق على هذه الجهة " المنظمات الأهلية ". وفي أحيان كثيرة يعتبر دور المنظمات الأهلية دوراً سباقاً في معالجة بعض القضايا الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وليس تكميلياً, وأصبح يضع خططاً وبرامج تنموية تحتذي بها الحكومات.
لقد شهد العمل الاجتماعي عدّة تغيّرات وتطورات في مفهومه ووسائله ومرتكزاته, وذلك بفعل التغيرات التي تحدث في الاحتياجات الاجتماعية, وما يهمنا هنا التطورات التي حدثت في غايات وأهداف العمل الاجتماعي, فبعد أن كان الهدف الأساسي هو تقديم الرعاية والخدمة للمجتمع وفئاته, أصبح الهدف الآن تغيير وتنمية المجتمع, وبالطبع يتوقف نجاح تحقيق الهدف على صدق وجديّة العمل الاجتماعي وعلى رغبة المجتمع في إحداث التغيير والتنمية. ومن الملاحظ أن العمل الاجتماعي بات يعتبر أحد الركائز الأساسية لتحقيق التقدّم الاجتماعي والتنمية, ومعياراً لقياس مستوى الرقي الاجتماعي للأفراد.
ويعتمد العمل الاجتماعي على عدّة عوامل لنجاحه, ومن أهمها المورد البشري, فكلما كان المورد البشري متحمساً للقضايا الاجتماعية ومدركاً لأبعاد العمل الاجتماعي كلما أتى العمل الاجتماعي بنتائج إيجابية وحقيقية. كما أن العمل الاجتماعي يمثل فضاءً رحباً ليمارس أفراد المجتمع ولاءهم وانتماءهم لمجتمعاتهم, كما يمثل العمل الاجتماعي مجالاً مهماً لصقل مهارات الأفراد وبناء قدراتهم.
وانطلاقاً من العلاقة التي تربط بين العمل الاجتماعي والمورد البشري, فإنه يمكن القول بأن عماد المورد البشري الممارس للعمل الاجتماعي هم الشباب, خاصة في المجتمعات الفتية, فحماس الشباب وانتمائهم لمجتمعهم كفيلان بدعم ومساندة العمل الاجتماعي والرقي بمستواه ومضمونه, فضلاً عن أن العمل الاجتماعي سيراكم الخبرات وقدرات ومهارات الشباب, والتي سيكونون بأمسّ الحاجة لها خاصة في مرحلة تكوينهم ومرحلة ممارستهم لحياتهم العملية.
ورغم ما يتسم به العمل الاجتماعي من أهمية بالغة في تنمية المجتمعات وتنمية قدرات الأفراد, إلاّ أننا نجد نسبة ضئيلة جداً من الأفراد الذين يمارسون العمل الاجتماعي, فهناك عزوف من قبل أفراد المجتمع, وخاصة الشباب منهم, عن المشاركة في العمل الاجتماعي بالرغم من أن الشباب يتمتع بمستوى عالي من الثقافة والفكر والانتماء وبالرغم من وجود القوانين والمؤسسات والبرامج والجوائز التي تشجع الشباب على المشاركة بشكل فاعل في تنمية مجتمعهم.
وهذا ما يثير التساؤل عن الأسباب المؤدية إلى عزوف الشباب عن المشاركة في العمل الاجتماعي, وسأحاول في هذه الورقة المختصرة تقديم بعض الأفكار التي قد تساهم في الإجابة عن بعض الاستفسارات وإعطاء صورة مبسطة عن واقع مشاركة الشباب في العمل الاجتماعي التطوعي, آملاً كذلك أن تساهم هذه الأفكار في فتح بعض الآفاق لطموحات الشباب في المشاركة في العمل الاجتماعي التطوعي.
تعريف العمل الاجتماعي التطوعي:
يمكن تعريف العمل الاجتماعي التطوعي بأنه مساهمة الأفراد في أعمال الرعاية والتنمية الاجتماعية سواء بالرأي أو بالعمل أو بالتمويل أو بغير ذلك من الأشكال. ومن خصائص العمل الاجتماعي أن يقوم على تعاون الأفراد مع بعضهم البعض في سبيل تلبية احتياجات مجتمعهم, وهذا يقود إلى نقطة جوهرية مفادها أن العمل الاجتماعي يأتي بناء على فهم لاحتياجات المجتمع.
وتجدر الإشارة إلى أن مساهمة الأفراد في العمل الاجتماعي تأتي بوصفهم إما موظفين أو متطوعين, وما يهمنا هنا الوصف الثاني. والتطوع هو الجهد الذي يقوم به الفرد باختياره لتقديم خدمة للمجتمع دون توقع لأجر مادي مقابل هذا الجهد.
وبالرغم من " مجانية " العمل الاجتماعي التطوعي, إلاّ أنه يوجد نظام امتيازات وحوافز وجوائز يتمتع بها العاملون في هذا القطاع وبشكل عام يمكن أن نصف المتطوع بأنه إنسان يؤمن بقضية معينة, واقعي ومتعايش مع ظروف مجتمعه, له القدرة على الاندماج والتفاعل مع أفراد مجتمعه, ومستعد لتقديم يد المساعدة لرعاية وتنمية مجتمعه.
أهمية العمل الاجتماعي التطوعي للشباب:
1. تعزيز انتماء ومشاركة الشباب في مجتمعهم.
2. تنمية قدرات الشباب ومهاراتهم الشخصية والعلمية والعملية.
3. يتيح للشباب التعرف على الثغرات التي تشوب نظام الخدمات في المجتمع.
4. يتيح للشباب الفرصة للتعبير عن آرائهم وأفكارهم في القضايا العامة التي تهم المجتمع.
5. يوفر للشباب فرصة تأدية الخدمات بأنفسهم وحل المشاكل بجهدهم الشخصي.
6. يوفر للشباب فرصة المشاركة في تحديد الأولويات التي يحتاجها المجتمع, والمشاركة في اتخاذ القرارات.
إطار العمل الاجتماعي التطوعي:
يتصف العمل التطوعي بأنه عمل تلقائي, ولكن نظراً لأهمية النتائج المترتبة عن هذا الدور والتي تنعكس بشكل مباشر على المجتمع وأفراده, فإنه يجب أن يكون هذا العمل منظماً ليحقق النتائج المرجوّة منه وإلا سينجم عنه آثاراً عكسية.
وعادة ما يتم تنظيم العمل الاجتماعي بالأطر التالية:
1. القوانين:
وهي مجموعة القوانين التي تنظم العمل الاجتماعي وتحدد قطاعاته, كما تنظم إنشاء وعمل المؤسسات الأهلية العاملة في المجال الاجتماعي التطوعي.
2. إطار المجتمع:
فكما سبق وأشرنا بأن العمل الاجتماعي التطوعي يأتي استجابة لحاجة اجتماعية, فهو واقعي ومعبر عن الحس الاجتماعي. وبالرغم من أن انفتاح المجتمعات يؤدي إلى اتساع الخيارات أمام العمل الاجتماعي, إلا أنه يبقى هناك حد أدنى ن التغيرات الاجتماعية التي يهدف العمل التطوعي إحداثها يرفضها المجتمع.
3. المؤسسات:
وهي مؤسسات حكومية أهلية, فبإمكان الشباب المشاركة في البرامج التطوعية التي تنفذها المؤسسات الحكومية كالوزارات والمدارس والجامعات والمؤسسات الدينية ... الخ, كما يمكن للشباب ممارسة العمل التطوعي من خلال انتسابهم للمؤسسات الأهلية كالجمعيات والوادي والهيئات الثقافية ... الخ.
المعوقات التي تعترض مشاركة الشباب الاجتماعية:
1. الظروف الاقتصادية السائدة وضعف الموارد المالية للمنظمات التطوعية.
2. بعض الأنماط الثقافية السائدة في المجتمع كالتقليل من شأن الشباب والتمييز بين الرجل والمرأة.
3. ضعف الوعي بمفهوم وفوائد المشاركة في العمل الاجتماعي التطوعي.
4. قلة التعريف بالبرامج والنشاطات التطوعية التي تنفذها المؤسسات الحكومية والأهلية.
5. عدم السماح للشباب للمشاركة في اتخاذ القرارات بداخل هذه المنظمات.
6. قلة البرامج التدريبية الخاصة بتكوين جيل جديد من المتطوعين أو صقل مهارات المتطوعين.
7. قلة تشجيع العمل التطوعي.
التوصيات:
1. إتاحة الفرصة أمام مساهمات الشباب المتطوع وخلق قيادات جديدة وعدم احتكار العمل التطوعي على فئة أو مجموعة معينة.
2. تكريم المتطوعين الشباب ووضع برنامج امتيازات وحوافز لهم.
3. تشجيع العمل التطوعي في صفوف الشباب مهما كان حجمه أو شكله أو نوعه.
4. تطوير القوانين والتشريعات الناظمة للعمل التطوعي بما يكفل إيجاد فرص حقيقية لمشاركة الشباب في اتخاذ القرارات المتصلة بالعمل الاجتماعي.
5. إنشاء اتحاد خاص بالمتطوعين يشرف على تدريبهم وتوزيع المهام عليهم وينظم طاقاتهم.
6. تشجيع الشباب وذلك بإيجاد مشاريع خاصة بهم تهدف إلى تنمية روح الانتماء والمبادرة لديهم.
7. أن تمارس المدرسة والجامعة والمؤسسة الدينية دوراً أكبر في حث الشباب على التطوع خاصة في العطل الصيفية.
8. أن تمارس وسائل الإعلام دوراً أكبر في دعوة المواطنين إلى العمل التطوعي, والتعريف بالنشاطات التطوعية التي تقوم بها المؤسسات الحكومية والجمعيات.
----------------------------------------------------------------------------------------------------
2- العمل التطوعي
تتباهى الأمم المتحضرة اليوم بما عندها من إمكانيات، ومنها عدد المتطوعين في المجالات المختلفة، ذلك لأن العمل التطوعي يساهم في رفعة الأمة ويؤدي إلى تساند أفرادها، وإيجاد روح التعاون والمحبة، وكلما سما هدف المتطوع كان عمله أكثر قيمة، وأوسع خيراً، وأعظم فائدة.
والمتطوع يرى ما لا يراه المسؤولون بحكم احتكاكه بعامة الناس ورؤيته الأمور على حقيقتها، وهو بحكم ما في قلبه من محبة للناس يندفع إلى مساعدتهم، وبحكم إيمانه يحب لهم ما يحبه لنفسه، وبحكم ثـقافته يرى الوضع بنظرة شمولية.
إن المتطوع يحتسب ما يصيبه في سبيل عمل الخير عند الله، ولا يتوانى في عمله، فهو يرى في بصيرته أن الله سيوفيه حسابه في الدنيا والآخرة.
ويحار أحدنا أي الخيرين يختار، ويقلب الأمر ويرجح أحدهما على الآخر، فإذا به يؤثر المصلحة العامة على الخاصة، وينظر إلى الأمة نظر من يرعاها، ويخاف عليها، ويحدد موضع الوهن، ويصف العلاج المناسب، وينبه إلى المخاطر والمزالق، ويرشد إلى الطريق الأقوم.
إن من يعيش أجواء الأعمال التطوعية لا يحب أن يغادرها، ويشعر بتفهم عميق لنفسية من يشاركه إياها..
ولقد غدا العمل التطوعي أكثر تنظيماً إذ أصبح مؤسسياً، وكلما كانت المؤسسة التي ينضوي تحتها هذا العمل ذات أهداف واضحة، وإدارة جيدة وسمعة حسنة وعلاقات واسعة ارتاح المتطوع إلى الانتساب إليها والعمل تحت لوائها.
إن توعية أفراد أسرة المتطوع بأهمية عمله أمر هام حتى يسهلوا له عمله، ولا ينتقصون من خروجه، وليسدوا ثغرة في البيت حدثت لدى خروجه محتسبين ذلك عند الله.
3- العمل التطوعي ميادينه وآثاره
أسمى الأعمال الإنسانية تلك التي لا تنتظر مقابلاً لها، بل تنبع من القلب ومن رغبةٍ لدى الإنسان في العطاء والتضحية... العمل التطوعي مثال حيٌّ على هذه الأعمال وهو ميدان تتعدد أشكاله ليدخل في جميع ميادين الحياة: في الاجتماعي، الصحي، البيئي، التربوي، السياسي، العسكري، وغير ذلك، وفي هذا العمل المجاني ينطلق الإنسان المتطوع من إحساسٍ بالمسؤولية تجاه من وما حوله: تجاه محيطه الإنساني وتجاه محيطه المكاني ومع اتساع رقعته لتشمل كل ميادين الحياة وتظهر أرقى أشكال التكامل البشري.
التطوع كما اتفق عليه دولياً هو تخصيص بعض من وقت الإنسان الخاص من أجل عمل عام عبر التزام ليس بالوظيفي إنما هو التزام أدبي وهو أيضاً تنافس شريف من أجل خدمة أهداف إنسانية ومجتمعية.
دوافع العمل التطوعي متعددة أهمها الدافع الديني الذي ينبع من إحساس الإنسان المتدين بالواجب تجاه مجتمعه في أشكاله المتعددة وتجاه البيئة التي تحيط به والتي هي هبة من اللَّه سبحانه وتعالى، ومن الواجب المحافظة عليها وكل هذا إرضاء لوجهه الكريم وطمعاً في ثوابه العظيم.
ميادين العمل التطوعي:
أبرز ميادين التطوع هو الميدان الاجتماعي فقد ارتكز العمل التطوعي منذ بداياته على فكرة الخير والأعمال الخيرية وذلك امتداداً للمشاعر الدينية التي عاشها الإنسان، فمساعدة الفقراء والمحتاجين وتلبية حاجاتهم الأساسية من مأكل ومشرب وملبس ومسكن كانت الأهداف الأولى للمتطوعين في هذا الميدان.
ومن الميدان الاجتماعي انطلق العمل التطوعي إلى ميدان آخر لا يقل أهمية وهو الميدان الصحي في محاولة لتأمين الرعاية الصحية الأوّلية لهؤلاء المحتاجين فتطوع الأطباءِ والممرضين والمسعفين للتخفيف من آلام هؤلاء المرضى، وفي هذا الميدان يبرز دور كبير لما يسمى الدفاع المدني هذا الجهاز الذي تظهر أهميته في حالات الطوارىء والخطر، والعاملون فيه يجب أن يتمتعوا كما يقول الحاج حمدان مسؤول جهاز المتطوعين في الدفاع المدني في الهيئة الصحية الإسلامية بمواصفات خاصة: بنية قوية، طول يفوق 168 سنتم، شجاعة وإقدام...
وإذا سرنا قدماً في ميادين التطوع نصل إلى الميدان التربوي التعليمي فبعد تأمين الحاجيات الأساسية للإنسان والتي تكفل استمرار حياته كالغذاء والدواء تبرز أهمية المساهمة في بناء فكر هؤلاء المحتاجين وذلك عبر فتح آفاق العلم والمعرفة أمامهم، وهنا يأتي دور العاملين في الحقل التربوي والطلاب الذين يتطوع البعض منهم لتعليم الأطفال والتلامذة أو الكبار عبر دروس محو الأمية ومثال على ذلك ما يقوم به مجموعة من المتطوعين العرب والأجانب في المخيمات الفلسطينية وما يقوم به الطلاب الجامعيون أثناء فترة الامتحانات الرسمية عندما يتطوعون لإعطاء دروس التقوية للتلامذة الخاضعين لهذه الامتحانات.
ميدان العمل البيئي عنوان آخر للتطوع وقد نشط كثيراً خلال السنوات الأخيرة نظراً لتفاقم المشاكل البيئية التي باتت تهدد العالم بكوارث خطيرة وفي هذا الميدان ينطلق المتطوعون من إحساس بالمسؤولية تجاه الكرة الأرضية التي نعيش عليها في محاولة لحفظ ثرواتها الطبيعية التي تكفل استمرار الحياة عليها. وهنا تنشط حملات التوعية البيئية لتعريف المجتمع بالطرق البسيطة والسلمية والتي تنطلق من المنزل للتخفيف مثلاً من كمية النفايات أو بعملية المساهمة في تدوير هذه النفايات، كما تنشط حملات تنظيف الشواطىء والمحافظة على المحميات الطبيعية...
مجال آخر وليس أخيراً في العمل التطوعي لا يقل أهمية عن كل المجالات السابقة الذكر، بل هو أهمها وهو مجال الدفاع عن حق الإنسان في حياة كريمة في أرضه ووطنه وحمايته من أي استغلال أو احتلال أو عدوان قد يهدد سلامته وسلامة أرضه وبيته ومستقبله، وأبرز مثال هنا هم المتطوعون الشباب في المقاومة الإسلامية الذين كانوا وما زالوا يتركون أعمالهم وجامعاتهم للالتحاق بركب المجاهدين المتفرغين ليكونوا شركاء في هذا الشرف، شرف الدفاع عن الأرض والمقدسات وهنا يصل حدود العطاء والتضحية إلى أسمى الدرجات، إلى بذل النفس شاهدة وشهيدة في سبيل هذه القضية...
آثار العمل التطوعي:
بعد الحديث عن الميادين المتعددة والأشكال المتنوعة للأعمال التطوعية لا بد من الوقوف عند الآثار الإيجابية التي يحصِّلها المتطوع عند بذل عطائه في ميدان ما.
ولهذا السبب كان لنا لقاء مع أخصائي علم النفس العيادي توفيق سلوم الذي أشار إلى جملة من هذه الآثار فعلى المستوى النفسي: المتطوع يقدِّم جزءاً من جهده ووقته وأحياناً ماله في مقابل تقدم الآخرين واستفادة هؤلاء الآخرين تشكل بالنسبة إليه مصدر راحة نفسية فيما على العكس العمل غير التطوعي )القصري والوظيفي( يحصل فيه الرضا النفسي لدى الشخص القائم به بمقدار ما يحصل هو نفسه على المنفعة الناتجة عن هذا العمل، وإضافة إلى الرضا النفسي، والرضا عن الذات يرفع العمل التطوعي مستوى الدافعية للعمل ويزيد من حماسة المتطوع كلما رأى الآثار الإيجابية والتطور الملحوظ لدى من يتطوع للعمل من أجلهم.
وفي جانب آخر يخفف العمل التطوعي لدى المتطوع نفسه من النظرة العدائية أو التشاؤمية تجاه الآخرين والحياة ويمده بإحساس وشعور قوي بالأمل والتفاؤل...
كما أن التطوع يهذب الشخصيَّة ويرفع عنها عقلية الشح ويحولها إلى عقلية الوفرة مصداقاً للآية الكريمة »ومن يوقَ شحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون« ففي العمل الوظيفي يتحدد العمل بقدر ما يحصِّل العامل من مال ومنفعة ذاتية مادية بينما في العمل التطوعي لا حدود للعطاء«.
إضافة إلى كل هذه الآثار الإيجابية هناك الجزاء الأخروي الذي وعد اللَّه سبحانه وتعالى ( الذين يسارعون في الخيرات) .
أما على المستوى الاجتماعي، فالعمل التطوعي يزيد من قدرة الإنسان على التفاعل والتواصل مع الآخرين كما يحد من النزوع إلى الفردية وينمي الحس الاجتماعي لدى الفرد المتطوع ويساهم في جعل المجتمع أكثر اطمئناناً وأكثر ثقة بأبنائه كما يخفف من الشعور باليأس والإحباط ويحد من النزعة المادية لدى أفراده. ويجعل القيمة الأساسية في التواصل والإنتاج والرضا الذاتي المتصل برضا اللَّه سبحانه وتعالى.
وأخيراً يمكن القول كخلاصة بأن التطوع يتيح للإنسان تعلم مهارات جديدة أو تحسين مهارات يمتلكها أصلاً كما يمكِّنه من اختيار حقل قد يختار فيما بعد التخصص فيه، كذلك يتيح للإنسان التعرف عن كثب على مجتمعه والتَّماس مع قضاياه والتعرف على أناس يختلفون عنه في السن والقدرات والخبرات مما يؤدي إلى تبادل هذه الخبرات كما يساعد على إنشاء صداقات جديدة وتنمية الثقة بالنفس. وباختصار أخيراً العمل التطوعي يشعر الإنسان بقدرته على إحداث تغيير ما .
مجلة بقية الله العدد 144 جمعية المعارف الإسلامية الثقافية .
------------------------------------------------------------------------------------------------------
1- الشباب والعمل الاجتماعي والتنموي التطوعي
مقـدمـة
يعتبر العمل الاجتماعي و التنموي التطوعي من أهم الوسائل المستخدمة للمشاركة في النهوض بمكانة المجتمعات في عصرنا الحالي, ويكتسب العمل الاجتماعي أهمية متزايدة يوماً بعد يوم, فهناك قاعدة مسلم بها مفادها أن الحكومات, سواء في البلدان المتقدمة أو النامية, لم تعد قادرة على سد احتياجات أفرادها ومجتمعاتها, فمع تعقد الظروف الحياتية ازدادت الاحتياجات الاجتماعية وأصبحت في تغيّر مستمر, ولذلك كان لا بد من وجود جهة أخرى موازية للجهات الحكومية تقوم بملء المجال العام وتكمّل الدور الذي تقوم به الجهات الحكومية في تلبية الاحتياجات الاجتماعية, ويطلق على هذه الجهة " المنظمات الأهلية ". وفي أحيان كثيرة يعتبر دور المنظمات الأهلية دوراً سباقاً في معالجة بعض القضايا الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وليس تكميلياً, وأصبح يضع خططاً وبرامج تنموية تحتذي بها الحكومات.
لقد شهد العمل الاجتماعي عدّة تغيّرات وتطورات في مفهومه ووسائله ومرتكزاته, وذلك بفعل التغيرات التي تحدث في الاحتياجات الاجتماعية, وما يهمنا هنا التطورات التي حدثت في غايات وأهداف العمل الاجتماعي, فبعد أن كان الهدف الأساسي هو تقديم الرعاية والخدمة للمجتمع وفئاته, أصبح الهدف الآن تغيير وتنمية المجتمع, وبالطبع يتوقف نجاح تحقيق الهدف على صدق وجديّة العمل الاجتماعي وعلى رغبة المجتمع في إحداث التغيير والتنمية. ومن الملاحظ أن العمل الاجتماعي بات يعتبر أحد الركائز الأساسية لتحقيق التقدّم الاجتماعي والتنمية, ومعياراً لقياس مستوى الرقي الاجتماعي للأفراد.
ويعتمد العمل الاجتماعي على عدّة عوامل لنجاحه, ومن أهمها المورد البشري, فكلما كان المورد البشري متحمساً للقضايا الاجتماعية ومدركاً لأبعاد العمل الاجتماعي كلما أتى العمل الاجتماعي بنتائج إيجابية وحقيقية. كما أن العمل الاجتماعي يمثل فضاءً رحباً ليمارس أفراد المجتمع ولاءهم وانتماءهم لمجتمعاتهم, كما يمثل العمل الاجتماعي مجالاً مهماً لصقل مهارات الأفراد وبناء قدراتهم.
وانطلاقاً من العلاقة التي تربط بين العمل الاجتماعي والمورد البشري, فإنه يمكن القول بأن عماد المورد البشري الممارس للعمل الاجتماعي هم الشباب, خاصة في المجتمعات الفتية, فحماس الشباب وانتمائهم لمجتمعهم كفيلان بدعم ومساندة العمل الاجتماعي والرقي بمستواه ومضمونه, فضلاً عن أن العمل الاجتماعي سيراكم الخبرات وقدرات ومهارات الشباب, والتي سيكونون بأمسّ الحاجة لها خاصة في مرحلة تكوينهم ومرحلة ممارستهم لحياتهم العملية.
ورغم ما يتسم به العمل الاجتماعي من أهمية بالغة في تنمية المجتمعات وتنمية قدرات الأفراد, إلاّ أننا نجد نسبة ضئيلة جداً من الأفراد الذين يمارسون العمل الاجتماعي, فهناك عزوف من قبل أفراد المجتمع, وخاصة الشباب منهم, عن المشاركة في العمل الاجتماعي بالرغم من أن الشباب يتمتع بمستوى عالي من الثقافة والفكر والانتماء وبالرغم من وجود القوانين والمؤسسات والبرامج والجوائز التي تشجع الشباب على المشاركة بشكل فاعل في تنمية مجتمعهم.
وهذا ما يثير التساؤل عن الأسباب المؤدية إلى عزوف الشباب عن المشاركة في العمل الاجتماعي, وسأحاول في هذه الورقة المختصرة تقديم بعض الأفكار التي قد تساهم في الإجابة عن بعض الاستفسارات وإعطاء صورة مبسطة عن واقع مشاركة الشباب في العمل الاجتماعي التطوعي, آملاً كذلك أن تساهم هذه الأفكار في فتح بعض الآفاق لطموحات الشباب في المشاركة في العمل الاجتماعي التطوعي.
تعريف العمل الاجتماعي التطوعي:
يمكن تعريف العمل الاجتماعي التطوعي بأنه مساهمة الأفراد في أعمال الرعاية والتنمية الاجتماعية سواء بالرأي أو بالعمل أو بالتمويل أو بغير ذلك من الأشكال. ومن خصائص العمل الاجتماعي أن يقوم على تعاون الأفراد مع بعضهم البعض في سبيل تلبية احتياجات مجتمعهم, وهذا يقود إلى نقطة جوهرية مفادها أن العمل الاجتماعي يأتي بناء على فهم لاحتياجات المجتمع.
وتجدر الإشارة إلى أن مساهمة الأفراد في العمل الاجتماعي تأتي بوصفهم إما موظفين أو متطوعين, وما يهمنا هنا الوصف الثاني. والتطوع هو الجهد الذي يقوم به الفرد باختياره لتقديم خدمة للمجتمع دون توقع لأجر مادي مقابل هذا الجهد.
وبالرغم من " مجانية " العمل الاجتماعي التطوعي, إلاّ أنه يوجد نظام امتيازات وحوافز وجوائز يتمتع بها العاملون في هذا القطاع وبشكل عام يمكن أن نصف المتطوع بأنه إنسان يؤمن بقضية معينة, واقعي ومتعايش مع ظروف مجتمعه, له القدرة على الاندماج والتفاعل مع أفراد مجتمعه, ومستعد لتقديم يد المساعدة لرعاية وتنمية مجتمعه.
أهمية العمل الاجتماعي التطوعي للشباب:
1. تعزيز انتماء ومشاركة الشباب في مجتمعهم.
2. تنمية قدرات الشباب ومهاراتهم الشخصية والعلمية والعملية.
3. يتيح للشباب التعرف على الثغرات التي تشوب نظام الخدمات في المجتمع.
4. يتيح للشباب الفرصة للتعبير عن آرائهم وأفكارهم في القضايا العامة التي تهم المجتمع.
5. يوفر للشباب فرصة تأدية الخدمات بأنفسهم وحل المشاكل بجهدهم الشخصي.
6. يوفر للشباب فرصة المشاركة في تحديد الأولويات التي يحتاجها المجتمع, والمشاركة في اتخاذ القرارات.
إطار العمل الاجتماعي التطوعي:
يتصف العمل التطوعي بأنه عمل تلقائي, ولكن نظراً لأهمية النتائج المترتبة عن هذا الدور والتي تنعكس بشكل مباشر على المجتمع وأفراده, فإنه يجب أن يكون هذا العمل منظماً ليحقق النتائج المرجوّة منه وإلا سينجم عنه آثاراً عكسية.
وعادة ما يتم تنظيم العمل الاجتماعي بالأطر التالية:
1. القوانين:
وهي مجموعة القوانين التي تنظم العمل الاجتماعي وتحدد قطاعاته, كما تنظم إنشاء وعمل المؤسسات الأهلية العاملة في المجال الاجتماعي التطوعي.
2. إطار المجتمع:
فكما سبق وأشرنا بأن العمل الاجتماعي التطوعي يأتي استجابة لحاجة اجتماعية, فهو واقعي ومعبر عن الحس الاجتماعي. وبالرغم من أن انفتاح المجتمعات يؤدي إلى اتساع الخيارات أمام العمل الاجتماعي, إلا أنه يبقى هناك حد أدنى ن التغيرات الاجتماعية التي يهدف العمل التطوعي إحداثها يرفضها المجتمع.
3. المؤسسات:
وهي مؤسسات حكومية أهلية, فبإمكان الشباب المشاركة في البرامج التطوعية التي تنفذها المؤسسات الحكومية كالوزارات والمدارس والجامعات والمؤسسات الدينية ... الخ, كما يمكن للشباب ممارسة العمل التطوعي من خلال انتسابهم للمؤسسات الأهلية كالجمعيات والوادي والهيئات الثقافية ... الخ.
المعوقات التي تعترض مشاركة الشباب الاجتماعية:
1. الظروف الاقتصادية السائدة وضعف الموارد المالية للمنظمات التطوعية.
2. بعض الأنماط الثقافية السائدة في المجتمع كالتقليل من شأن الشباب والتمييز بين الرجل والمرأة.
3. ضعف الوعي بمفهوم وفوائد المشاركة في العمل الاجتماعي التطوعي.
4. قلة التعريف بالبرامج والنشاطات التطوعية التي تنفذها المؤسسات الحكومية والأهلية.
5. عدم السماح للشباب للمشاركة في اتخاذ القرارات بداخل هذه المنظمات.
6. قلة البرامج التدريبية الخاصة بتكوين جيل جديد من المتطوعين أو صقل مهارات المتطوعين.
7. قلة تشجيع العمل التطوعي.
التوصيات:
1. إتاحة الفرصة أمام مساهمات الشباب المتطوع وخلق قيادات جديدة وعدم احتكار العمل التطوعي على فئة أو مجموعة معينة.
2. تكريم المتطوعين الشباب ووضع برنامج امتيازات وحوافز لهم.
3. تشجيع العمل التطوعي في صفوف الشباب مهما كان حجمه أو شكله أو نوعه.
4. تطوير القوانين والتشريعات الناظمة للعمل التطوعي بما يكفل إيجاد فرص حقيقية لمشاركة الشباب في اتخاذ القرارات المتصلة بالعمل الاجتماعي.
5. إنشاء اتحاد خاص بالمتطوعين يشرف على تدريبهم وتوزيع المهام عليهم وينظم طاقاتهم.
6. تشجيع الشباب وذلك بإيجاد مشاريع خاصة بهم تهدف إلى تنمية روح الانتماء والمبادرة لديهم.
7. أن تمارس المدرسة والجامعة والمؤسسة الدينية دوراً أكبر في حث الشباب على التطوع خاصة في العطل الصيفية.
8. أن تمارس وسائل الإعلام دوراً أكبر في دعوة المواطنين إلى العمل التطوعي, والتعريف بالنشاطات التطوعية التي تقوم بها المؤسسات الحكومية والجمعيات.
----------------------------------------------------------------------------------------------------
2- العمل التطوعي
تتباهى الأمم المتحضرة اليوم بما عندها من إمكانيات، ومنها عدد المتطوعين في المجالات المختلفة، ذلك لأن العمل التطوعي يساهم في رفعة الأمة ويؤدي إلى تساند أفرادها، وإيجاد روح التعاون والمحبة، وكلما سما هدف المتطوع كان عمله أكثر قيمة، وأوسع خيراً، وأعظم فائدة.
والمتطوع يرى ما لا يراه المسؤولون بحكم احتكاكه بعامة الناس ورؤيته الأمور على حقيقتها، وهو بحكم ما في قلبه من محبة للناس يندفع إلى مساعدتهم، وبحكم إيمانه يحب لهم ما يحبه لنفسه، وبحكم ثـقافته يرى الوضع بنظرة شمولية.
إن المتطوع يحتسب ما يصيبه في سبيل عمل الخير عند الله، ولا يتوانى في عمله، فهو يرى في بصيرته أن الله سيوفيه حسابه في الدنيا والآخرة.
ويحار أحدنا أي الخيرين يختار، ويقلب الأمر ويرجح أحدهما على الآخر، فإذا به يؤثر المصلحة العامة على الخاصة، وينظر إلى الأمة نظر من يرعاها، ويخاف عليها، ويحدد موضع الوهن، ويصف العلاج المناسب، وينبه إلى المخاطر والمزالق، ويرشد إلى الطريق الأقوم.
إن من يعيش أجواء الأعمال التطوعية لا يحب أن يغادرها، ويشعر بتفهم عميق لنفسية من يشاركه إياها..
ولقد غدا العمل التطوعي أكثر تنظيماً إذ أصبح مؤسسياً، وكلما كانت المؤسسة التي ينضوي تحتها هذا العمل ذات أهداف واضحة، وإدارة جيدة وسمعة حسنة وعلاقات واسعة ارتاح المتطوع إلى الانتساب إليها والعمل تحت لوائها.
إن توعية أفراد أسرة المتطوع بأهمية عمله أمر هام حتى يسهلوا له عمله، ولا ينتقصون من خروجه، وليسدوا ثغرة في البيت حدثت لدى خروجه محتسبين ذلك عند الله.
3- العمل التطوعي ميادينه وآثاره
أسمى الأعمال الإنسانية تلك التي لا تنتظر مقابلاً لها، بل تنبع من القلب ومن رغبةٍ لدى الإنسان في العطاء والتضحية... العمل التطوعي مثال حيٌّ على هذه الأعمال وهو ميدان تتعدد أشكاله ليدخل في جميع ميادين الحياة: في الاجتماعي، الصحي، البيئي، التربوي، السياسي، العسكري، وغير ذلك، وفي هذا العمل المجاني ينطلق الإنسان المتطوع من إحساسٍ بالمسؤولية تجاه من وما حوله: تجاه محيطه الإنساني وتجاه محيطه المكاني ومع اتساع رقعته لتشمل كل ميادين الحياة وتظهر أرقى أشكال التكامل البشري.
التطوع كما اتفق عليه دولياً هو تخصيص بعض من وقت الإنسان الخاص من أجل عمل عام عبر التزام ليس بالوظيفي إنما هو التزام أدبي وهو أيضاً تنافس شريف من أجل خدمة أهداف إنسانية ومجتمعية.
دوافع العمل التطوعي متعددة أهمها الدافع الديني الذي ينبع من إحساس الإنسان المتدين بالواجب تجاه مجتمعه في أشكاله المتعددة وتجاه البيئة التي تحيط به والتي هي هبة من اللَّه سبحانه وتعالى، ومن الواجب المحافظة عليها وكل هذا إرضاء لوجهه الكريم وطمعاً في ثوابه العظيم.
ميادين العمل التطوعي:
أبرز ميادين التطوع هو الميدان الاجتماعي فقد ارتكز العمل التطوعي منذ بداياته على فكرة الخير والأعمال الخيرية وذلك امتداداً للمشاعر الدينية التي عاشها الإنسان، فمساعدة الفقراء والمحتاجين وتلبية حاجاتهم الأساسية من مأكل ومشرب وملبس ومسكن كانت الأهداف الأولى للمتطوعين في هذا الميدان.
ومن الميدان الاجتماعي انطلق العمل التطوعي إلى ميدان آخر لا يقل أهمية وهو الميدان الصحي في محاولة لتأمين الرعاية الصحية الأوّلية لهؤلاء المحتاجين فتطوع الأطباءِ والممرضين والمسعفين للتخفيف من آلام هؤلاء المرضى، وفي هذا الميدان يبرز دور كبير لما يسمى الدفاع المدني هذا الجهاز الذي تظهر أهميته في حالات الطوارىء والخطر، والعاملون فيه يجب أن يتمتعوا كما يقول الحاج حمدان مسؤول جهاز المتطوعين في الدفاع المدني في الهيئة الصحية الإسلامية بمواصفات خاصة: بنية قوية، طول يفوق 168 سنتم، شجاعة وإقدام...
وإذا سرنا قدماً في ميادين التطوع نصل إلى الميدان التربوي التعليمي فبعد تأمين الحاجيات الأساسية للإنسان والتي تكفل استمرار حياته كالغذاء والدواء تبرز أهمية المساهمة في بناء فكر هؤلاء المحتاجين وذلك عبر فتح آفاق العلم والمعرفة أمامهم، وهنا يأتي دور العاملين في الحقل التربوي والطلاب الذين يتطوع البعض منهم لتعليم الأطفال والتلامذة أو الكبار عبر دروس محو الأمية ومثال على ذلك ما يقوم به مجموعة من المتطوعين العرب والأجانب في المخيمات الفلسطينية وما يقوم به الطلاب الجامعيون أثناء فترة الامتحانات الرسمية عندما يتطوعون لإعطاء دروس التقوية للتلامذة الخاضعين لهذه الامتحانات.
ميدان العمل البيئي عنوان آخر للتطوع وقد نشط كثيراً خلال السنوات الأخيرة نظراً لتفاقم المشاكل البيئية التي باتت تهدد العالم بكوارث خطيرة وفي هذا الميدان ينطلق المتطوعون من إحساس بالمسؤولية تجاه الكرة الأرضية التي نعيش عليها في محاولة لحفظ ثرواتها الطبيعية التي تكفل استمرار الحياة عليها. وهنا تنشط حملات التوعية البيئية لتعريف المجتمع بالطرق البسيطة والسلمية والتي تنطلق من المنزل للتخفيف مثلاً من كمية النفايات أو بعملية المساهمة في تدوير هذه النفايات، كما تنشط حملات تنظيف الشواطىء والمحافظة على المحميات الطبيعية...
مجال آخر وليس أخيراً في العمل التطوعي لا يقل أهمية عن كل المجالات السابقة الذكر، بل هو أهمها وهو مجال الدفاع عن حق الإنسان في حياة كريمة في أرضه ووطنه وحمايته من أي استغلال أو احتلال أو عدوان قد يهدد سلامته وسلامة أرضه وبيته ومستقبله، وأبرز مثال هنا هم المتطوعون الشباب في المقاومة الإسلامية الذين كانوا وما زالوا يتركون أعمالهم وجامعاتهم للالتحاق بركب المجاهدين المتفرغين ليكونوا شركاء في هذا الشرف، شرف الدفاع عن الأرض والمقدسات وهنا يصل حدود العطاء والتضحية إلى أسمى الدرجات، إلى بذل النفس شاهدة وشهيدة في سبيل هذه القضية...
آثار العمل التطوعي:
بعد الحديث عن الميادين المتعددة والأشكال المتنوعة للأعمال التطوعية لا بد من الوقوف عند الآثار الإيجابية التي يحصِّلها المتطوع عند بذل عطائه في ميدان ما.
ولهذا السبب كان لنا لقاء مع أخصائي علم النفس العيادي توفيق سلوم الذي أشار إلى جملة من هذه الآثار فعلى المستوى النفسي: المتطوع يقدِّم جزءاً من جهده ووقته وأحياناً ماله في مقابل تقدم الآخرين واستفادة هؤلاء الآخرين تشكل بالنسبة إليه مصدر راحة نفسية فيما على العكس العمل غير التطوعي )القصري والوظيفي( يحصل فيه الرضا النفسي لدى الشخص القائم به بمقدار ما يحصل هو نفسه على المنفعة الناتجة عن هذا العمل، وإضافة إلى الرضا النفسي، والرضا عن الذات يرفع العمل التطوعي مستوى الدافعية للعمل ويزيد من حماسة المتطوع كلما رأى الآثار الإيجابية والتطور الملحوظ لدى من يتطوع للعمل من أجلهم.
وفي جانب آخر يخفف العمل التطوعي لدى المتطوع نفسه من النظرة العدائية أو التشاؤمية تجاه الآخرين والحياة ويمده بإحساس وشعور قوي بالأمل والتفاؤل...
كما أن التطوع يهذب الشخصيَّة ويرفع عنها عقلية الشح ويحولها إلى عقلية الوفرة مصداقاً للآية الكريمة »ومن يوقَ شحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون« ففي العمل الوظيفي يتحدد العمل بقدر ما يحصِّل العامل من مال ومنفعة ذاتية مادية بينما في العمل التطوعي لا حدود للعطاء«.
إضافة إلى كل هذه الآثار الإيجابية هناك الجزاء الأخروي الذي وعد اللَّه سبحانه وتعالى ( الذين يسارعون في الخيرات) .
أما على المستوى الاجتماعي، فالعمل التطوعي يزيد من قدرة الإنسان على التفاعل والتواصل مع الآخرين كما يحد من النزوع إلى الفردية وينمي الحس الاجتماعي لدى الفرد المتطوع ويساهم في جعل المجتمع أكثر اطمئناناً وأكثر ثقة بأبنائه كما يخفف من الشعور باليأس والإحباط ويحد من النزعة المادية لدى أفراده. ويجعل القيمة الأساسية في التواصل والإنتاج والرضا الذاتي المتصل برضا اللَّه سبحانه وتعالى.
وأخيراً يمكن القول كخلاصة بأن التطوع يتيح للإنسان تعلم مهارات جديدة أو تحسين مهارات يمتلكها أصلاً كما يمكِّنه من اختيار حقل قد يختار فيما بعد التخصص فيه، كذلك يتيح للإنسان التعرف عن كثب على مجتمعه والتَّماس مع قضاياه والتعرف على أناس يختلفون عنه في السن والقدرات والخبرات مما يؤدي إلى تبادل هذه الخبرات كما يساعد على إنشاء صداقات جديدة وتنمية الثقة بالنفس. وباختصار أخيراً العمل التطوعي يشعر الإنسان بقدرته على إحداث تغيير ما .
مجلة بقية الله العدد 144 جمعية المعارف الإسلامية الثقافية .
------------------------------------------------------------------------------------------------------