فيصل العوفي
03-26-2007, 02:55 AM
في عالمنا المعاصر.. وفي ظل التغيرات السريعة، يعاني العالم كله، ولا سيما عالمنا العربي والإسلامي من كارثة حقيقية، تزيد من ضعفه وتخلفه أكثر ما هو عليه، وذلك "ندرة الأم المؤمنة المربية" التي تربي الجيل المنتظر لإعادة الحضارة الإسلامية المفقودة، والعزة والكرامة المهدرة وهذا الجيل المرتقب الذي نطمح فيه ونتطلع إليه تربيه أم مؤمنة واعية، غايتها إرضاء الله عز وجل، وهدفها إعداد إنسان يعمر الأرض بشرع الله. وهنا يتبادر إلى أذهاننا تساؤل هام.. هل تستطيع الأم الآن إعداد هذا الإنسان الصالح بالمواصفات الربانية؟ وهل كل أم معدة إعداداً صحيحاً لتقوم بذلك؟! وكيف تعد هذه الأم في ظل الظروف الحالية الراهنة؟ إن الإجابة على هذين السؤالين جداً سهل، فمن خلال استقرائنا للواقع الحالي، فإننا نجد أن الأم المعاصرة تفتقد الرؤية الواضحة للهدف من إنجابها للأطفال، فينعكس ذلك على رعايتها وتنشئتها لأبنائها فتحصرها في التغذية والتربية واللباس والتعليم المدرسي، ويغلب عليها التساهل والتسامح في العبادات والأخلاقيات والقيم والآداب، فيصبح هذا الإبن لاهم له إلا اشباع الشهوات وتلبية الرغبات، ولا يتقن من مهارات الحياة إلا متابعة القنوات، والتسلية بالالكترونيات، فهل نتوقع من هذا الجيل قيادة الأمة إلى الاستقرار والأمان. لذلك فإننا نريد الأم الربانية التي تصنع من أبنائها رجالاً يقودون الإنسانية إلى قمة حضارتها ولا تربيهم على حب الشهوات والملذات لتقودهم إلى الهلاك! نريد الأم التي تحمل بين جنباتها قلباً فياضاً بالعواطف والمشاعر النبيلة لتشبع ابناءها فتسري في نفوسهم الرحمة والمحبة والعطاء لبني جلدتهم، ولا تربيهم على القسوة والجفاء والعداء ليصبحوا قساة القلب، عديمي الأخلاق..! كذلك نريد الأم التي فهمت معنى الأمومة تضحية وعطاء وتوجيهاً وبناء، ولم تفهم من الأمومة الأنانية، التأفف والاهمال والتخلي لتقودهم إلى الضياع والانحراف..! وقد صدق الشاعر حين قال: ليس اليتيم من انتهى أبواه من هم الحياة وخلفاه ذليلاً إن اليتيم هو الذي تلقى له أماً تخلت أو أباً مشغولاً إن الأم المعاصرة تفتقر في وقتنا الحاضر إلى إعدادها إعداداً متكاملاً من جميع الجوانب الشخصية كما تُعد المعلمة والطبيبة والمهندسة والمحامية وغيرهن، لأداء عملها بكفاءة واقتدار، والأم المعاصرة أحوج ماتكون لهذا الإعداد لأنها تقوم بصناعة الأفراد من جميع جوانب شخصيته، روحه، جسمه، عواطفه، انفعالاته، نفسه، خلقه ليكون فرداً صالحاً نافعاً لنفسه وأهله ووطنه وأمته، قال إبن القيم الجوزية: "وكم من أشقى ولده وفلذة كبده في الدنيا والآخرة باهماله وترك تأديبه واعانته على شهواته، ويزعم أنه يكرمه وقد أهانه: وأنه يرحمه وقد ظلمه، فكانت انتكاسة بولده، وندت فيه حظه في الدنيا والآخرة". إن إعداد الأم المعاصرة يقتضي مراعاة أنها متفردة في جميع خصائصها الجسمية والعقلية والنفسية والعاطفية والانفعالية عن الرجل، ولا ينبغي علينا أن نخصها بنفس البرامج والأنشطة الخاصة بالرجل، كما أن إعدادها يركز على أساس مهمتها في الحياة وهي تربية "إعداد الأبناء" حتى تتقن دورها التربوي لبناء هذا الإنسان، كما ينبغي أن يكون إعدادها منطلقاً من المنهج الإسلامي الأصيل في أحكامه وقيمه وآدابه وأخلاقياته وفي سنة رسولنا الكريم وهديه الشريف في رعاية الأطفال، بالإضافة إلى تزويدها من علم التربية وعلم نفس النمو وعلم الصحة العامة.. إلى غير ذلك من المواد العلمية التي تثقفها وتصقل مهارتها التي تعينها على أداء دورهما التربوي. ويوم أن نعد الأم المربية الفاضلة فقد أعددنا الجيل المرتقب، ويوم أن نهمل إعداد الأم.. سنجني الثمرة جيلاً هشاً ضعيفاً، مهزوماً نفسياً وخلقياً وانفعالياً، وكل مانحتاج إليه انشاء مراكز الأمومة والطفولة لإعداد الأم المطلوبة وتدريبها لأداء دورها التربوي والتعليمي، وترك بصماتها الايجابية الفعالة في نفوس أبنائها، كما فعلت أمهات الأوائل وانجبن العلماء أمثال الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهما.
د. ليلى عبدالرشيد عطار
استاذ مساعد التربية الإسلامية
بكلية التربية للبنات بجدة
د. ليلى عبدالرشيد عطار
استاذ مساعد التربية الإسلامية
بكلية التربية للبنات بجدة