المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دور القطاع الخاص في دعم المكتبات الوقفية في المملكة العربية الوقفية


طلحة الدهلوي
03-22-2007, 12:39 AM
دور القطاع الخاص في دعم المكتبات الوقفية
في المملكة العربية الوقفية

إعداد
أ . د . عباس بن صالح طاشكندي

ملخص البحث :
لم يُعرف عبر التاريخ الإسلامي منذ نشوء الدولتين الأموية والعباسية وحتى عهد متأخر أن تعمير المساجد وبناء المدارس وإقامة دور الأيتام والمشافي وتشييد المكتبات العامة والخاصة بأنها من مسؤوليات الدولة بقدر ما كانت من مسؤوليات الأفراد تجاه مجتمعهم ، حيث حفلت مصادر التاريخ بالأمثلة العديدة لما قام به الأفراد من وقف للمكتبات الخاصة لصالح العامة من طلاب العلم .
وقد جاءت هذه الدراسة موضحة لبعض الكتب التي تضمنت ذكر أهم المكتبات الوقفية التي عمَّت أرجاء العالم الإسلامي بصفة عامة ، والمملكة العربية السعودية بصفة خاصة .
كما تطرح بعض التساؤلات حول واقع المكتبات الوقفية في المملكة توطئة لنقاش إمكانية القطاع الخاص السعودي ودوره في دعم الوقف الخيري بصورة عامة والمكتبات الوقفية بصورة خاصة وذلك عبر وسيلتين إحداهما : المساهمة المباشرة في أعمال الوقف الخيري من خلال إنشاء صناديق خيرية استثمارية في الشركات الكبرى لدعم الوقف الخيري وفق قواعد محددة وأما الوسيلة الأخرى فعن طريق تشجيع القطاع الخاص للمشاركة في الاستثمار في المشاريع التي تدعم الوقف الخيري .


موضوع البحث :

إن الحمد لله نحمده ، ونستعينه ، ونستغفره ، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدا 0وبعد،
فموضوع هذه الدراسة هو نقاش دور القطاع الخاص في دعم المكتبات الوقفية في المملكة العربية السعودية 0 فالمكتبات الوقفية التي توافر توثيقها على طول تاريخ العالم الإسلامي كانت ثمرة وفاء الأفراد لمجتمعاتهم، ومظهرًا للتكامل والتكافل بين المسلمين ، وخصيصة إسلامية أخذ بها الأفراد من الخلفاء والسلاطين والملوك والأفراد والعلماء والموسرين ، متحملين بذلك عبء الإسهام الاجتماعي في دعم النشاطات الدينية والثقافية والتعليمية والاجتماعية 0 ولم يكن أمر وقف المكتبات الخاصة حسنة من الحسنات ، ومنَّة يتعالى بها الخلفاء والعلماء والموسرون على المجتمع ، بل كانت نمطًا لسلوك راق يمليه الواجب ومطالب التكافل الذي امتازت به مجتمعات المسلمين عبر تاريخهم عما سواهم من المجتمعات الأخرى 0
ولم نعرف عبر تاريخ العالم الإسلامي منذ نشوء دولة بنى أمية وبنى العباس حتى عهد متأخر أن تعمير المساجد وبناء المدارس والمعاهد وإقامة الأربطة ودور الأيتام والمشافى وتشييد المكتبات العامة والخاصة هي من مسؤوليات الدولة بقدر ماكانت مسؤولية إقامة تلك الهيئات جزءًا من مسؤوليات الأفراد تجاه مجتمعاتهم ، يثرون بتلك الالتزامات روابطهم بالمجتمع ، وتعمق من تحقيق التكافل المطلوب بين الأفراد القادرين والأفراد المحتاجين من شرائح المجتمع ، يبتغون مرضاة الله ورضوانه ، وعملا صالحًا متواصلا يسرى مسرى الصدقة الجارية 0
ولسنا بصدد إقامة الأدلة على ذلك ، بل إن مصادر التاريخ قد حفلت بالأمثلة العديدة لما قام به الأفراد من وقف للمكتبات الخاصة لصالح العامة من العلماء وطلاب العلم 0 وقد كان لخلفاء بنى العباس السبق في بناء المكتبات الخاصة بأركان قصورهم ووقفها لصالح طلاب العلم ، وتأمين الصرف عليها بحبس مايؤمن استمرارها في أداء رسالتها ونموها في قادم الأيام حتى غدت تلك المكتبات الوقفية خلال العصور الوسطي الإسلامية ظاهرة تعمّ أرجاء العالم الإسلامي كافة . ونالت بعض تلك الخزائن من الشهرة والانتشار حتى اقترنت سمات الحضارة الإسلامية بها وصارت حضارة علم وكتاب 0
ولسنا بصدد سرد أهم المكتبات الوقفية التي عمَّت أرجاء العالم الإسلامي ، فقد كان موضوعهـا مجالا للعديد من الدراسـات والكتب والتي تناولتهـا بالسرد أو التحليل ومنها :
1 - ما جاء عند كوركيس عواد في كتابة الموسوم " خزائن الكتب القديمة في العراق منذ أقدم العصور حتى سنة 1000 للهجرة " ( ) والذي تناول فيه بالسرد المكتبات الوقفية التي أوقفها خلفاء بنى العباس حتى عهد المستعصم بالله في القرن السابع الهجري ، ومكتبات الوزراء والولاة ، وكذلك الخزائن الوقفية الخاصة التي أوقفها العلماء والموسرون بدءاً من المائة الهجرية الثانية حتى المائة العاشرة 0 وقد استند كوركيس عواد في مسحه على ما جاء في كتب الأولين كالمسعودي وابن الفوطي وابن الساعي والصفدي وابن كثير والقلقشندي والخطيب البغدادي وابن أبى أصيبعة والقفطي وابن النديم والجاحظ وابن عبدربه والصولى وابن الأثير وابن العبرى وياقوت وابن الطقطقي والفخري وابن خلكان والأصبهاني وغيرهم0
2 - ما ورد عند يوسف أسعد داغر في كتابه الموسوم " فهارس المكتبة العربية في الخافقين " ( ) والذي عرض فيه لفهارس مجموعات المكتبات ومنها بعض الفهارس القديمة التي استهدفت حصر مجموعات بعض المكتبات الوقفية الهامة في العراق والشام ومصر وشمال أفريقيا وغيرها 0
3 - ما جاء ذكره عند حبيب الزيات في كتابه " خزائن الكتب في دمشق وضواحيها " ( ) الذي أصدره في أربعة أجزاء عام 1902م والذي اختص فيه المكتبات الوقفية في دمشق كالظاهرية والعمرية ومكتبة سليمان باشا وعبدالله باشا والملا عثمان الكردي والخياطين ومكتبات المرادية والشميصاتية واليأغوشية والأوقاف وبيت الخطابة وعدد آخر من المكتبات الوقفية الشهيرة في بلاد الشام بالإشارة والوصف 0 وعلى الرغم من أن المؤلف قد ركز في الأجزاء الثلاثة على المكتبات الوقفية في الأديّرة والكنائس الشامية إلا أنه قد استوفى المكتبات الوقفية الإسلامية في دمشق حقها من التفصيل والإيضاح 0
4 - ما ورد ذكره عند الفيكنت فيليب دي طرازي في كتابه الموسوم " خزائن الكتب العربية في الخافقين " ( ) والذي صدر في مجلدين اختص الأول بخزائن الكتب الإسلامية ، وهي في معظمها خزائن وقفية ، قسمها إلى نحو قسمين ، الأول الخزائن العامة التي أسسها الملوك والأمراء والحكام والولاة ، والثاني الخزائن الوقفية التي أسسها الأفراد من أعلام المسلمين وأدبائهم وأغنيائهم 0 وقد فصَّل المؤلف تفصيلا جيدًا في تناوله لتلك المكتبات الوقفية 0
5 - ما تناوله عبداللطيف إبراهيم في كتابه الموسوم " دراسات في الكتب والمكتبات الإسلامية " ( ) حيث اختصت أبحاثه بدراسة وقفيات المكتبات المملوكية ، وأمكن له استخلاص وضعية المكتبات المملوكية من خلال تحليل شروط الواقفين كما نصت عليها الوثائق الوقفية 0 وتعد دراساته وأبحاثه ذات أصالة في توثيق تاريخ المكتبات الوقفية عند الفاطميين والأيوبيين والمماليك 0 وقد حقق ونشر عددًا من الوثائق المملوكية ذات العلاقة بالمدارس والمكتبات 0
6 - ما ورد عند يحيى محمود بن جنيد في كتابه " الوقف وبنية المكتبة العربية: استبطان للموروث الثقافي " والذي يعتبر من أهم الدراسات التحليلية التي تناولت دور المكتبات والمجموعات الوقفية في تاريخ المكتبات الإسلامية0 واعتبر الوقف " بؤرة النهضة العلمية والفكرية العربية والإسلامية على مدار القرون " ( ) 0 كما استنتج بأن المكتبة الوقفيــــــــة " تشكل بنية المكتبة العربية منذ القرن الهجري الرابع حتى أواخر القرن الهجري الثالث عشر "( ) وأنها المدّ الذي انتشرت عبره المكتبات في التاريخ العربي بأكمله 0 وكانت له توصيات هامة أبرزها الدعوة إلى العناية بالمكتبات الوقفية حتى تستمر في مباشرة دورها ، والعمل على تنمية مصادر العمل الخيري كما كان عليه أسلافنا من قبل 0
والمكتبات الوقفية في المملكة العربية السعودية هي جزء من الصورة التي سادت المجتمعات الإسلامية بعامة والعربية بخاصة ، إذ استأثرت المدن المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة وبخاصة الحرمين الشريفين حين ظلا طوال التاريخ الإسلامي وسيظلان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها مراكز إشعاع واستقطاب لاهتمام الخلفاء والسلاطين والملوك والأمراء ورجال العلم والأثرياء من مناطق العالم الإسلامي كافة 0 وتوافرت نتيجة ذلك الاهتمام عدد من المكتبات الوقفية الملحقة بالحرمين الشريفين أو بالمدارس المحيطة بهما أو الربط المجاورة لهما ، فضلا عن توافر العديد من المجموعات الخاصة التي أوقفت ضمن مجموعات المكتبات الوقفية في سائر أنحاء المملكة العربية السعودية 0
ولسنا في مجال الحصر للمكتبات والمجموعات الوقفية في المملكة العربية السعودية ، إلا أن من الجدير أن نذكر المصادر التي تناولتها بالتفصيل استجابة لحاجة المستزيد إلى تفاصيل إضافية 0 فقد أوردت بعض كتب التاريخ التي تناولت المدينتين المقدستين إشارات للمجموعات الوقفية ، كما تضمنت بعض أعمال الرحلات ومنها كتاب " مرآة الحرمين " لإبراهيم رفعت باشا حصرًا لبعض المجموعات ورحلة محمد كرد على ، غير أن أهم مصادر المجموعات الوقفية في المملكة تتمثل في المصادر التالية :
1 - ما أورده أحمد عبدالغفور عطار في ثنايا كتابه " قطرة من يراع " ( ) والذي نشر عام 1375هـ حيث جمع خلاصة مقالات عدة وأحاديث إذاعية بثت من إذاعة المملكة العربية السعودية عام 1371هـ تناول فيها موضوع المكتبات الوقفية في الحجاز ، وما تعرضت له مجموعاتها من إهمال وضياع 0 وقد نشر العطار قائمة بالمكتبات الوقفية في مدارس ومكتبات وربط المدينة المنورة حصر فيها ثلاثاً وخمسين مكتبة وقفية 0
2 - وأفرد عبدالله عبدالجبار قسمًا في كتابه " التيارات الأدبية " ( ) الذي نشر عام 1959م تناول فيه المكتبات في مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة والطائف ونجد والأحساء مشيدًا بدور الأثرياء الذين كانوا يحبسون الأوقاف على المكتبات الوقفية لينفق من ريعها على تنميتها والإشراف عليها وإدارتها0 وقد حصر عبدالجبار مجموعة كبيرة من المكتبات استخلصها خلال بحثه في مصادر التاريخ أو خلال الوصف لما كان قائمًا من المكتبات آنذاك 0
3 - وتعد رسالة حمادي التونسي وعنوانها " المكتبات العامة بالمدينة المنورة ماضيها وحاضرها " ( ) أشمل دراسة اختصت بمسح المجموعات الوقفية في المدينة المنورة حيث أورد تفصيلات كثيرة بشأن المكتبات الوقفية ومنها المحمودية وعارف حكمت والختنى والصافي وعمر حمدان والقازانية والعرفانية والإحسانية والساقزلى والشفاء وكيلى ناظرى ورباط الجبرت وسيدنا عثمان وقراباش 0 وقد توصل حمادي التونسي إلى نتائج هامة بشأن المكتبات الوقفية ومنها :
أ - تأكيد الإخفاق الواضح في تنفيذ شروط الوقف حين استهان النظار بها وأخذوا يعبثون بالمجموعات الوقفية فكانوا " يبيعون بعضها ويهدون البعض الآخر مقابل منافع شخصية أو مادية " ( ) 0
ب - تعرض بعض أوقاف المكتبات للهدم والإزالة دون قيام بديل عنها 0 وكان بالإمكان استثمار التعويض بإيجاد البدائل وتطويرها 0
جـ - التمويل الحالي للمكتبات الوقفية غير كاف لأداء رسالتها 0
د - عدم تفرغ بعض الأمناء للقيام بفتح المكتبة في أوقاتها المحددة 0
ومهما يكن من أمر فإن التغير العمراني الذي حدث في المناطق المحيطة بالحرمين الشريفين قد أدى إلى إزالة العديد من المدارس القديمة والربط والمكتبات الوقفية ، الأمر الذي أدى بدوره إلى تجميع المكتبات والمجموعات الوقفية في إطار مكتبات أكبر تستوعب المجموعات الصغيرة كافة ، وهو ما حدث في مكة المكرمة حين استقطبت مكتبة الحرم المكي ومكتبة مكة المكرمة العامة المجموعات الوقفية ضمن مقتنياتها كافة 0
كما ضمت المكتبات الوقفية كافة في المدينة المنورة بما فيها مكتبة عارف حكمت تحت مظلة مكتبة الملك عبدالعزيز العامة 0 ويطرح الوضع الذي آلت إليه المكتبات الوقفية أسئلة عديدة :
- ألم يكن من الأصوب المحافظة على هوية بعض المكتبات الوقفية الشهيرة كمكتبة عارف حكمت والمكتبة المحمودية والمكتبة المجيدية أملاً في استمرار مفهوم المكتبات الوقفية في أذهان الناس ؟
- هل هناك علاقة بين تفعيل دور المكتبات الوقفية وتفعيل دور القطاع الخاص في المساهمة في دعم المكتبات الوقفية ؟
- ما الإمكانات الحقيقية للقطاع المسؤول عن المكتبات الوقفية ، وهل تفي تلك الإمكانات بتفعيل دورها ودعمها ماديًا وبشريًا وفنيًا ؟
- المناطق المحيطة بالحرمين الشريفين كانت تتكامل مع رسالة المسجد ثقافيًا من خلال بيئة تتوافر لها البنية الأساسية ومنها المكتبات ، فهل حافظت التطورات العمرانية التي حدثت في تلك المناطق على تلك البنية الأساسية ؟
- بنية المكتبة الوقفية عبرت طوال تاريخها الماضي عن مضمون حاول الواقفون ترسيخه عبر شروط دقيقة وفاعلة ، فهل تحقق المكتبات الوقفية حاليًا نفس المضمون وفق معايير المكتبات الحديثة أو أنها جسد لا مضمون له ؟
- ما وضع المجموعات الوقفية حاليًا من حيث مستوى التنظيم والمحافظة والصيانة والخدمة والاستثمار والإعداد ؟
- لماذا نتحفظ على مسميات بعض المكتبات رغم أن بعض نماذجها اكتسبت شهرة تاريخية وأصبحت ضمن حدود الذاكرة الشعبية ؟ ألا يحدّ ذلك الاتجاه من إسهام القطاع الخاص في دعم المكتبات الوقفية ؟
أعتقد أن الإجابة عن هذه الأسئلة تحتل أهمية بالغة ، وهي تسبق النظر في توصية جاءت في خاتمة كتاب يحيى محمود بن جنيد ورد نصها كالتالي :
" ضرورة العودة إلى الوقف ليكون طريقًا نحو بناء حركة مكتبية زاهرة في العالم العربي كما كان عليه الأمر في الماضي وهو ما يتطلب بثّ الوعي بين الأثرياء والعلماء باتخاذ هذا الأسلوب ليكون مصدرًا من مصادر العمل الخيري البنَّاء للمجتمع " ( )
إن ما يريد الدكتور جنيد أن يقوله في تلك التوصية هو تفعيل بنية المكتبات الوقفية من خلال صُنَاعِها الحقيقيين وهم العلماء وأفراد القطاع الخاص حسب تعبير اليوم 0
وإذا عرفنا القطاعات الخاصة في المملكة العربية السعودية فإنهم يمثلون شريحة كبيرة من المجتمع تَضُم التُجَّار والصنَّاع وأصحاب المهن الحرة والشركات العائلية والكبيرة والمحدودة ، ويمثلون ركيزة اقتصادية تعتمد عليها الدولة في اقتصادها الحر ، وتقدم لها الضمانات والتسهيلات ، وتعتبرها مشاركًا فاعلاً في التنمية ، وتقع عليها مسؤوليات وطنية تستشرف من توجهات الدولة أطُرها وحدودها 0
والحجم الاقتصادي للقطاع الخاص في المملكة العربية السعودية يعدُّ كبيرًا بكل المعايير نتيجة الدعم المتواصل له من الدولة والمتمثل في :
- تقديم القروض والمشاركة الرأسمالية وبشروط سهلة ومشجعة 0
- المساعدة في اختيار المشاريع الصناعية وإعداد دراسات الجدوى لها 0
- إعفاء المعدات والمواد الخام من الرسوم 0
- إعطاء الأفضلية للمنتجات الوطنية في المشتروات الحكومية 0
- حماية المنتج المحلي بفرض رسوم جمركية على المنتجات الأجنبية 0
- منح الأراضي المجانية للمشروعات الصناعية 0
ولتمثل للحجم الاقتصادي المتنامي للقطاع الخاص في المملكة العربية السعودية يشير الأستاذ راضى صالح الحداد في دراسة قدمها في ندوة الاستثمار 1998 التي عقدت في المعهد المصرفي بجدة إلى أن عدد الشركات السعودية المساهمة قد وصل عام 1997 إلى سبعين شركة قيمتها السوقية بلغت 59 مليار دولار أمريكي ، شكلت 40% من إجمالي الناتج المحلي السعودي ، 41 % من إجمالي القيمة السوقية للأسهم العربية المكونة لمؤشر صندوق النقد العربي 0
ويتفوق أداء البنوك السعودية على الشركات من حيث حجم الاستثمارات الواسعة ومعدلات الأرباح المتنامية ، ووفرة السيولة المالية التي تستوعب تمويل مجالات متعددة من الاستثمارات بما في ذلك بعض برامج التنمية الثقافية 0 كما تميز الاستثمار الخاص في قطاعات الزراعة والصناعات الاستخراجية والتحويلية والكهرباء والمياه والبناء والتشييد والتجارة والنقل والمواصلات والتخزين والمال والتأمين والعقارات والخدمات بنمو مطَّرد حيث بلغت استثماراته في العام 1975م ما مجموعه 627ر10 بليون ريال ثم تصاعدت حتى بلغت عام 1983م مامجموعة 320ر41 مليون ريال وأستمر بمعدل نمو سنوي مركب بلغ 19 % من التصاعد النسبي 0
وعلى الرغم من عدم توافر بيانات إحصائية للحجم الاقتصادي لتجارة الأفراد والصناعيين وأصحاب المهن الحرة إلا أن معدلات نمو أعمالهم يؤكد القدرة الاقتصادية ونمو معدلات الاستثمار في الأداء الاقتصادي العام 0
على أن هناك شريحة أخرى تقع ضمن إطار القطاع الخاص وهي الهيئات الخيرية التي لا تستهدف تحقيق أرباح بقدر ما تسهم في المشاركة الاجتماعية والثقافية بهدف تحقيق التكافل الاجتماعي والثقافي في المجتمع 0 وتدعم الدولة مؤخرًا أعمال تلك الهيئات عن طريق تمكينها من تشييد الجامعات والمعاهد التعليمية الأهلية في بعض مدن المملكة الرئيسية 0
وهنا يمكن أن نتساءل عن مدى إمكانية مساهمة القطاع الخاص في الأعمال الوقفية ومنها تشييد المكتبات الوقفية وإدارتها وتشغيلها 0 إلى ذلك الموضوع يتعرض محمود أحمد أبو ليل في بحث جيد عن أثر الاجتهاد في تطور أحكام الوقف ألقاه في ندوة الوقف الإسلامي التي عقدت بكلية الشريعة والقانون بجامعة الإمارات العربية المتحدة في ديسمبر عام 1997م مشيرًا إلى أن الفقهاء لم يتعرضوا - في حدود علمه - لبيان أوقاف الشخصيات الحكمية كالمؤسسات والشركات والجمعيات ونحوها 0 ولما كان لهذه الشخصيات الحكمية " حضور قوي وفاعل في المجتمعات المعاصرة اليوم على كل الأصعدة سواء في المجالات الاقتصادية أو الاجتماعية ، ولبعضها إمكانات مالية ضخمة ، وتتمتع بالشخصية القانونية وتبرم العقود وتمارس مختلف الأنشطة عن طريق ممثليها ووكلائها 0 فهل يصح أن تقبل أوقافها على المشروعات الخيرية ؟ الذي أراه في هذا الصدد أنه لا مانع من صحة أوقاف هذه المؤسسات إن كان نظامها الأساسي يسمح بذلك أو جرى تفويض إدارتها من قبل المساهمين لأنه من فعل الخير والتعاون على البر والتقوى، ولا محظور فيه ، ويعود الأجر فيه إلى الإدارة والمساهمين معًا " ( )
وفي حالة القبول بمثل ذلك الاجتهاد ، فإن بإمكان القطاع الخاص المساهمة في دعم الوقف الخيري ومنها المكتبات الوقفية عبر وسيلتين :
الأولى : المساهمة المباشرة في أعمال الوقف الخيري
ويتم ذلك من خلال إنشاء صناديق استثمارية TRUST في الشركات الكبرى لدعم الوقف الخيري باقتطاع نسبة من الأرباح السنوية وإيداعها تلك الصناديق التي يتم فيها استثمار الأصول بالأشكال الاقتصادية كافة ، على أن يعود عائدها الربحي السنوي للأوقاف الخيرية ومنها المكتبات الوقفية0 ويمكن توجيه العوائد السنوية لتشييد هيئات وقفية مثل :
- معاهد التدريب
- المكتبات
- دور الأيتام والرعاية الاجتماعية
- الأربطة
على أن يسمح لتلك الشركات والمؤسسات الخاصة باستخدام أسمائها على الأوقاف العائدة لها 0 ويلاحظ أن عائد بعض تلك الهيئات الوقفية يعود بالنفع على الشركات نفسها كبرامج معاهد التدريب أو الرعاية الإجتماعية0
وقد تنظم عوائد استثمار الصناديق لصالح هيئة حكومية كوزارة الأوقاف لتوجيهها للبرامج التي تخطط الوزارة لتحقيقها 0
كما يمكن للدولة - وهي التي تدعم القطاعات الخاصة - أن تفرض نسبة ضئيلة من الأرباح على الشركات بحيث تصب تلك النسبة في صندوق استثماري عام يسمى " صندوق الوقف الخيري السعودي " ويتولى الصندوق عبر مجلس إدارته وضع برامج لدعم الوقف الخيري في أنحاء المملكة العربية السعودية كافة ، وعلى أن يكون ضمن مصادر هذا الصندوق عائدات الأوقاف التي تستحصلها وزارة الأوقاف السعودية من إدارة أوقافها والتعويضات التي تحصلت عليها من الأوقاف المزالة حول الحرمين الشريفين والعائدة للمكتبات والمدارس والأربطة وغيرها 0
ويمكن لهذه الهيئة أن تنشأ على غرار " بيت الزكاة الكويتي " والذي يستثمر أمواله استثمارًا جيدًا يعود بالنفع في الصرف على الوجوه الشرعية للزكاة 0
الثانية : حفز القطاع الخاص للمشاركة في الاستثمار في المشاريع التي تدعم الوقف الخيري
ويشمل ذلك تمويل مشاريع من شأنها أن تنعكس على تطوير أداء الأوقاف الخيرية ومنها المكتبات 0
فقد وضع نظام المجلس الأعلى للأوقاف الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/35 في 18/7/1386هـ صلاحيات كثيرة للمجلس ومنها :
- الإشراف على جميع الأوقاف الخيرية بالمملكة 0
- وضع القواعد المتعلقة بإدارتها واستغلالها وتحصيل غلاتها وصرفها مع عدم الإخلال بشروط الواقفين وأحكام الشرع الحنيف0
- وضع خطة لحصر وتسجيل الأوقاف الخيرية وإثباتها بالطرق الشرعية وتنظيم إدارتها 0
- وضع خطة عامة لاستثمار وتنمية الأوقاف وغلالها 0
- وضع خطة لإثبات أوقاف الحرمين الشريفين خارج المملكة والحصول على وثائق إثباتها وتولى أمورها وفق شروط الواقفين 0
- وضع التقرير المالي السنوي لواردات ومصروفات الأوقاف الخيرية 0
- اعتماد المشروعات المقترح تنفيذها من أموال الأوقاف الخيرية 0
وجاء في تلك الصلاحيات بند يخص المجلس بالاستثمار والتنمية للأوقاف وفق خطة عامة ، وكذلك اعتماد المشروعات التي تعود بالنفع للأوقاف 0 وهو الأمر الذي يمكن المجلس من طرح بدائل استثمارية عديدة منها مشاركته مع القطاع الخاص في إقامة مشاريع حيوية ذات مردود مالي مجز تستفيد منه الأطراف المشاركة مما يعود بالنفع إيجابًا لتطوير وتنمية الأوقاف الخيرية كافة 0
وإذًا نظرنا إلى ممتلكات الأوقاف عامة فغالبًا ما نجدها على هيئة عقارات قديمة تتبوأ مواقع متميزة في المدن الرئيسية ، ومثل تلك المواقع لا تستثمر حاليًا بشكل جيد كما لا تتوفر لدى إدارات الأوقاف السيولة الكافية للتطوير 0 فلماذا لا تحقق المشاركة مع القطاع الخاص في تمويل مشروعات استثمارية ذات جدوى اقتصادية تدرّ من الدخل ما يفيد قطاعات عديدة من الوقف الخيري 0
وقد طرح أنس الزرقا ( ) بدائل عديدة للتمويل العقاري للأوقاف يجدر أن تدرس من قبل المجلس الأعلى للأوقاف لاتخاذ الوسائل الكفيلة لتنفيذ ما يمكن تنفيذه بعد استيفاء الشروط الشرعية في الوقف 0
والله تعالى أعلم بالصواب 0