فيصل العوفي
09-01-2007, 06:19 PM
عثمان اليتامى والمساجد
(لكل أجل كتاب) حقيقة نستحضرها نحن المسلمين في تفاصيل حياتنا اليومية بيد أن الموت برهبته التي قال عنها المصطفى صلى الله عليه وسلم (إن للموت لرهبة) يظل مرتبطاً بهذه الآية الكريمة التي تؤكد أن الأجل دون في اللوح المحفوظ قبل أن تخلق السموات والأرض بخمسين ألف عام الأمر الذي يجعلنا نسلم بقضاء الله وقدره ونؤمن بأن الموت غاية كل حي بل هو الحقيقة المجمع عليها.
ومع هذا وذاك فإن الموت يظل محطة توقف للميت عن الحياة وللحي أمام شريطها ومجرياتها، وكلما كان الخطب جللاً والمصاب عظيماً في وضعية الفقيد وأهميته ودوره كلما كانت تلك المحطة زاخرة بالمكونات والزوايا والتفاصيل.
بالنسبة لي لم تكن ليلة الجمعة الموافق للسابع عشر من شهر شعبان لعام 1428هـ عادية على الإطلاق وأنا أستقبل نبأ وفاة العم الشيخ عثمان بن عبد الله الدبيخي رحمه الله رحمة واسعة وأنزل على قبره شآبيب المغفرة والرضوان.
فقد أحسست لحظتها بأن ركناً شامخاً من أركان الأسرة بل ومدينة بريدة قد فُقد بفقده وأن مصدراً من مصادر الخيرية وينبوعاً من ينابيع العطاء الإنساني أصبح أثراً بعد عين.
(عثمان الدبيخي) الرجل الإنسان عثمان الأنموذج المتفرد عرفته بعداً وتعرفت على شخصه وشخصيته قرباً فوجدته مختلفاً بكل المقاييس.. بل إنني أجزم أنه عاش عصراً غير عصره استثنائي العطف، متوازن الإحساس، شغوف بحب الخير، مطمئن النفس، باذل في العطاء والد لليتامى والأرامل والمساكين..
يتخطفه الموت، وروحه قد بلغت الحلقوم وهو يحدث الطبيب المعالج عن قرب رحلته إلى مكة المكرمة ليصوم رمضان المبارك هناك كما هي عادته كل عام..
إنه شعور الراغب في التزود بالخير، وإحساس المحب للطاعة المسيطر على الفكر حتى في لحظات فراق الدنيا ونزعات الموت.
وجدت في الشيخ عثمان - رحمه الله - حرصه المتعاظم على ترابط الأسرة وتقاربها وتناغمها وتآلفها والعمل على تواصلها في أفراحها وأتراحها يشعرني دائماً وأبداً في أحاديثه وتوجيهاته - رحمه الله - بأهمية الإحساس بالمسؤولية والقيام بالدور في إطار من التوازن وتقييم المواقف بعيداً عن ردود الأفعال الحقيقية التي ظلت وستظل تحتل قائمة فكري.
إن الفقيد - رحمه الله - كان مدرسة جامعة للأخلاق والقيم التي يستحيل حصرها أو سردها في مشهد كهذا لا سيما وأن العبارات تتزاحم تحت مظلة اللسان لتعلن حضورها المشرف في حدث يكون الحديث فيه عن الفقيد. هناك في مراسم الصلاة والتشييع قرأت في عيون الناس محبتهم الفائقة للعم عثمان - رحمه الله - وهناك في المقبرة سمعت رجلين يتحدثان على مقربة مني لا أعرفهما ولكني أسمع ما يدور وفي ثنايا الحديث قال أحدهما للآخر:
رحم الله الفقيد عرفته قبل نصف قرن إنه (خير لا شر فيه). هذه العبارة وقعت في القلب موقعها فهي تكفي شهادة له في عدم الإساءة لأحد أو التطاول على أحد.
لمثل ذلك تبتهج النفس وتشعر بالسعادة أن تكون الانطباعات بهذه الصورة التي تجعلنا وبمشيئة الله تعالى تؤمل له بالخير الكبير عند فاطر السموات والأرض (فشهود الله في أرضه).
أما عندما انتقلنا إلى منزل العم عثمان - رحمه الله - فقد تذكرته: حديثه، مشيته، صوته، لطافته، بل كل زوايا المنزل كانت تستحضر صوره.
في حين أن زوجتي أم عبدالله التي لم تشعر لحظة واحدة أن عثمان الدبيخي عم لها.. بل كانت ترى فيه الأب المغدق حباً ووفاءً ودفئاً عليها وعلى أشقائها فلم أستطع قراءة واقعها المكلوم وهي اليوم تنعي أباً طالما غمرها بحنانه وفيض عطائه..
ليس بوسعي أن أتحدث بشكل منتظم وأنا أعيش لحظات الوداع المرة بيد أنني لا أملك إلا الدعاء له بالمغفرة والرحمة وأن يلهمنا الصبر والسلوان.
قرة العين
تربى الشيخ عثمان - رحمه الله - في كنف والده الشيخ عبدالله الدبيخي أحد أشهر رجالات عقيل في مدينة بريدة وكان باراً له في حياته ومعتزاً به وبسيرته العطرة بعد وفاته - رحمهما الله - حيث كان الشيخ عثمان ملاصقاً لوالده ومطيعاً له وكان بمثابة قرة عينه اهتم به وعلمه في بريدة ومن ثم أرسله إلى العراق ليتعلم هناك.. فكان عند حسن ظنه حيث تعلم ونهل هناك من علوم الحياة ما أعانه على التزامه بدينه الذي ظل ملتزماً به منذ نعومة أظفاره حتى ودع الحياة فجر أمس.
حيث كانت حياته - غفر الله له - كلها عبادة في عبادة من حج وصيام وصدقات وعمارة للمساجد وأعمال خيرية لم يتضح معظمها إلا بعد وفاته لحرصه - رحمه الله - لأن تكون سرية وفي إطار (تنفق يمينه ما لا تعلم عنها شماله) خالصة لوجه الله تعالى وابتغاء لمرضاته عز وجل ورادف هذا الالتزام وتلكم الأعمال الخيرية نجاحات دنيوية في أعماله سواء حينما كان مديراً لشركة كهرباء الحدود الشمالية أو في أعماله الخاصة.
وبعد وفاة والده - رحمهما الله - كان الفقيد كثير الاعتزاز بسيرة والده ونادراً ما كان يخلو مجلسه حينما يلتم شمل العائلة من ذكر مواقف خالدة لوالده وبخاصة تلك التي تتسم بقوة الإيمان والحكمة والإيمان بأن ليس للإنسان إلا ما قدم في هذه الدنيا في رسالة منه إلى أبناء إخوانه وأخواته وأسرته لأن يواصلوا المسيرة على ذات النهج متحابين متكاتفين مستشعرين عظمة الدين الإسلامي الحنيف دين التسامح والتكافل.
الهاجس الأخير
قضى الفقيد مع أسرته صيف هذا العام في استراحته، بيد أنه بكر على غير العادة في العودة إلى منزله العامر فقادني فضولي لسؤاله عن سبب ذلك مبيناً له بأن جو الاستراحة هذه الأيام أفضل مما مضى لاسيما وأننا نعيش موسم خراف النخيل.
فأجاب - رحمه الله - نعم أدرك هذا ولكن لدينا بعض التعديلات والأعمال في مكة المكرمة (التي يقضي فيها شهر رمضان عادة بالكامل ولا يعود إلا منتصف شوال وبعد صيام ست شوال) وبودي أن نذهب هذا العام قبل حلول الشهر لإنهائها فعلاً.
وبالفعل حجز وقطع تذاكر السفر له ولأسرته وحدد يوم السفر الثلاثاء القادم.
وحينما داهمه المرض يوم الأربعاء الماضي وأدخل المستشفى كان هاجس السفر إلى مكة حاضراً في قلبه ولسانه رغم منازعة الموت له حيث كانت آخر كلماته للفريق الطبي المعالج له في المستشفى بأنني عازم بإذن الله تعالى على السفر إلى مكة يا دكتور الأسبوع القادم.
لكن الموت عاجله وحلت إرادة الله تعالى في أن يحفظ من يحفظه فلفظ أنفاسه ذاكراً لربه حامداً وشاكراً ومتطلعاً إلى التقرب منه، فأعطاه الله تعالى خيراً مما يريد حيث إنه كتب له عمرة كاملة وقضاء شهر رمضان المبارك بأجر الصائم والقائم في بيته الحرام بمشيئة الله تعالى وهو في قبره وتلك منّة من الرحمن الرحيم لعباده الصالحين، وفضل منه عز وجل لأصحاب الأعمال الطيبة والنوايا الحسنة.
دعاء
يا رب نسألك برحمتك الواسعة أن تتغمد فقيدنا الغالي بواسع رحمتك وأن تجعل قبره أول منازله من الجنة وأن تكون الفردوس الأعلى هي منزلته مع عبادك الصالحين وأن تجبر مصيبتنا في مصابنا الجلل وأن ترزقنا الصبر والاحتساب على ما أصابنا إنك ولي ذلك والقادر عليه سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
محمد بن عبدالله الطويان
محمد بن عبدالله الطويان
المدير الإقليمي لجريدة الجزيرة بالقصيم
الجزيرة (http://www.al-jazirah.com/2488978/fe32d.htm)
(لكل أجل كتاب) حقيقة نستحضرها نحن المسلمين في تفاصيل حياتنا اليومية بيد أن الموت برهبته التي قال عنها المصطفى صلى الله عليه وسلم (إن للموت لرهبة) يظل مرتبطاً بهذه الآية الكريمة التي تؤكد أن الأجل دون في اللوح المحفوظ قبل أن تخلق السموات والأرض بخمسين ألف عام الأمر الذي يجعلنا نسلم بقضاء الله وقدره ونؤمن بأن الموت غاية كل حي بل هو الحقيقة المجمع عليها.
ومع هذا وذاك فإن الموت يظل محطة توقف للميت عن الحياة وللحي أمام شريطها ومجرياتها، وكلما كان الخطب جللاً والمصاب عظيماً في وضعية الفقيد وأهميته ودوره كلما كانت تلك المحطة زاخرة بالمكونات والزوايا والتفاصيل.
بالنسبة لي لم تكن ليلة الجمعة الموافق للسابع عشر من شهر شعبان لعام 1428هـ عادية على الإطلاق وأنا أستقبل نبأ وفاة العم الشيخ عثمان بن عبد الله الدبيخي رحمه الله رحمة واسعة وأنزل على قبره شآبيب المغفرة والرضوان.
فقد أحسست لحظتها بأن ركناً شامخاً من أركان الأسرة بل ومدينة بريدة قد فُقد بفقده وأن مصدراً من مصادر الخيرية وينبوعاً من ينابيع العطاء الإنساني أصبح أثراً بعد عين.
(عثمان الدبيخي) الرجل الإنسان عثمان الأنموذج المتفرد عرفته بعداً وتعرفت على شخصه وشخصيته قرباً فوجدته مختلفاً بكل المقاييس.. بل إنني أجزم أنه عاش عصراً غير عصره استثنائي العطف، متوازن الإحساس، شغوف بحب الخير، مطمئن النفس، باذل في العطاء والد لليتامى والأرامل والمساكين..
يتخطفه الموت، وروحه قد بلغت الحلقوم وهو يحدث الطبيب المعالج عن قرب رحلته إلى مكة المكرمة ليصوم رمضان المبارك هناك كما هي عادته كل عام..
إنه شعور الراغب في التزود بالخير، وإحساس المحب للطاعة المسيطر على الفكر حتى في لحظات فراق الدنيا ونزعات الموت.
وجدت في الشيخ عثمان - رحمه الله - حرصه المتعاظم على ترابط الأسرة وتقاربها وتناغمها وتآلفها والعمل على تواصلها في أفراحها وأتراحها يشعرني دائماً وأبداً في أحاديثه وتوجيهاته - رحمه الله - بأهمية الإحساس بالمسؤولية والقيام بالدور في إطار من التوازن وتقييم المواقف بعيداً عن ردود الأفعال الحقيقية التي ظلت وستظل تحتل قائمة فكري.
إن الفقيد - رحمه الله - كان مدرسة جامعة للأخلاق والقيم التي يستحيل حصرها أو سردها في مشهد كهذا لا سيما وأن العبارات تتزاحم تحت مظلة اللسان لتعلن حضورها المشرف في حدث يكون الحديث فيه عن الفقيد. هناك في مراسم الصلاة والتشييع قرأت في عيون الناس محبتهم الفائقة للعم عثمان - رحمه الله - وهناك في المقبرة سمعت رجلين يتحدثان على مقربة مني لا أعرفهما ولكني أسمع ما يدور وفي ثنايا الحديث قال أحدهما للآخر:
رحم الله الفقيد عرفته قبل نصف قرن إنه (خير لا شر فيه). هذه العبارة وقعت في القلب موقعها فهي تكفي شهادة له في عدم الإساءة لأحد أو التطاول على أحد.
لمثل ذلك تبتهج النفس وتشعر بالسعادة أن تكون الانطباعات بهذه الصورة التي تجعلنا وبمشيئة الله تعالى تؤمل له بالخير الكبير عند فاطر السموات والأرض (فشهود الله في أرضه).
أما عندما انتقلنا إلى منزل العم عثمان - رحمه الله - فقد تذكرته: حديثه، مشيته، صوته، لطافته، بل كل زوايا المنزل كانت تستحضر صوره.
في حين أن زوجتي أم عبدالله التي لم تشعر لحظة واحدة أن عثمان الدبيخي عم لها.. بل كانت ترى فيه الأب المغدق حباً ووفاءً ودفئاً عليها وعلى أشقائها فلم أستطع قراءة واقعها المكلوم وهي اليوم تنعي أباً طالما غمرها بحنانه وفيض عطائه..
ليس بوسعي أن أتحدث بشكل منتظم وأنا أعيش لحظات الوداع المرة بيد أنني لا أملك إلا الدعاء له بالمغفرة والرحمة وأن يلهمنا الصبر والسلوان.
قرة العين
تربى الشيخ عثمان - رحمه الله - في كنف والده الشيخ عبدالله الدبيخي أحد أشهر رجالات عقيل في مدينة بريدة وكان باراً له في حياته ومعتزاً به وبسيرته العطرة بعد وفاته - رحمهما الله - حيث كان الشيخ عثمان ملاصقاً لوالده ومطيعاً له وكان بمثابة قرة عينه اهتم به وعلمه في بريدة ومن ثم أرسله إلى العراق ليتعلم هناك.. فكان عند حسن ظنه حيث تعلم ونهل هناك من علوم الحياة ما أعانه على التزامه بدينه الذي ظل ملتزماً به منذ نعومة أظفاره حتى ودع الحياة فجر أمس.
حيث كانت حياته - غفر الله له - كلها عبادة في عبادة من حج وصيام وصدقات وعمارة للمساجد وأعمال خيرية لم يتضح معظمها إلا بعد وفاته لحرصه - رحمه الله - لأن تكون سرية وفي إطار (تنفق يمينه ما لا تعلم عنها شماله) خالصة لوجه الله تعالى وابتغاء لمرضاته عز وجل ورادف هذا الالتزام وتلكم الأعمال الخيرية نجاحات دنيوية في أعماله سواء حينما كان مديراً لشركة كهرباء الحدود الشمالية أو في أعماله الخاصة.
وبعد وفاة والده - رحمهما الله - كان الفقيد كثير الاعتزاز بسيرة والده ونادراً ما كان يخلو مجلسه حينما يلتم شمل العائلة من ذكر مواقف خالدة لوالده وبخاصة تلك التي تتسم بقوة الإيمان والحكمة والإيمان بأن ليس للإنسان إلا ما قدم في هذه الدنيا في رسالة منه إلى أبناء إخوانه وأخواته وأسرته لأن يواصلوا المسيرة على ذات النهج متحابين متكاتفين مستشعرين عظمة الدين الإسلامي الحنيف دين التسامح والتكافل.
الهاجس الأخير
قضى الفقيد مع أسرته صيف هذا العام في استراحته، بيد أنه بكر على غير العادة في العودة إلى منزله العامر فقادني فضولي لسؤاله عن سبب ذلك مبيناً له بأن جو الاستراحة هذه الأيام أفضل مما مضى لاسيما وأننا نعيش موسم خراف النخيل.
فأجاب - رحمه الله - نعم أدرك هذا ولكن لدينا بعض التعديلات والأعمال في مكة المكرمة (التي يقضي فيها شهر رمضان عادة بالكامل ولا يعود إلا منتصف شوال وبعد صيام ست شوال) وبودي أن نذهب هذا العام قبل حلول الشهر لإنهائها فعلاً.
وبالفعل حجز وقطع تذاكر السفر له ولأسرته وحدد يوم السفر الثلاثاء القادم.
وحينما داهمه المرض يوم الأربعاء الماضي وأدخل المستشفى كان هاجس السفر إلى مكة حاضراً في قلبه ولسانه رغم منازعة الموت له حيث كانت آخر كلماته للفريق الطبي المعالج له في المستشفى بأنني عازم بإذن الله تعالى على السفر إلى مكة يا دكتور الأسبوع القادم.
لكن الموت عاجله وحلت إرادة الله تعالى في أن يحفظ من يحفظه فلفظ أنفاسه ذاكراً لربه حامداً وشاكراً ومتطلعاً إلى التقرب منه، فأعطاه الله تعالى خيراً مما يريد حيث إنه كتب له عمرة كاملة وقضاء شهر رمضان المبارك بأجر الصائم والقائم في بيته الحرام بمشيئة الله تعالى وهو في قبره وتلك منّة من الرحمن الرحيم لعباده الصالحين، وفضل منه عز وجل لأصحاب الأعمال الطيبة والنوايا الحسنة.
دعاء
يا رب نسألك برحمتك الواسعة أن تتغمد فقيدنا الغالي بواسع رحمتك وأن تجعل قبره أول منازله من الجنة وأن تكون الفردوس الأعلى هي منزلته مع عبادك الصالحين وأن تجبر مصيبتنا في مصابنا الجلل وأن ترزقنا الصبر والاحتساب على ما أصابنا إنك ولي ذلك والقادر عليه سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
محمد بن عبدالله الطويان
محمد بن عبدالله الطويان
المدير الإقليمي لجريدة الجزيرة بالقصيم
الجزيرة (http://www.al-jazirah.com/2488978/fe32d.htm)