نايف المحمدي
02-28-2007, 05:48 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
1/3
التعاون والتنسيق بين الجمعيات الخيرية
د. يحي بن إبراهيم اليحي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
تعريف التعاون
التعاون: مصدر تعاون مأخوذ من العون الذي يراد به المظاهرة على الشيء(1).
والتعاون هو الأصل في شريعتنا: قال الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}(2) {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا}(3) {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}(4).
والملاحظ أن نصوص الشريعة جاءت بالخطاب الجماعي فقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} وردت 89 مرة، وقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} عشرين مرة، وقوله {يَا بَنِي آدَمَ} خمس مرات دلالة على أهمية الاجتماع والتعاون والتكامل.
عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُسْلِمُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إِنْ اشْتَكَى عَيْنُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ وَإِنْ اشْتَكَى رَأْسُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ» (5).
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ»(6).
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا وَرَضِيَ لَكُمْ ثَلَاثًا رَضِيَ لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَأَنْ تَنْصَحُوا لِوُلَاةِ الْأَمْرِ وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ» (7).
وفي صحيح البخاري: «بَاب التَّعَاوُنِ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ»، و«بَاب تَعَاوُنِ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا».
مفهوم التعاون
هل هو الاندماج، أو الذوبان، أو هو الانضمام تحت إدارة واحدة، أو مجرد حضور اللقاءات، أو التنسيق في معرفة أسماء المستفيدين فقط...؟
بعض التطبيقات الخاطئة لمفهوم التعاون عصفت بالجهات الخيرية وتسببت في زرع البغضاء والضغائن والأحقاد فيما بينها، وهذا في الحقيقة لا يسمى تعاوناً أو تنسيقًا وإن لبس لباسه، وكل تعاون يقصد به الاحتواء وفرض السيطرة، والطلوع على أكتاف الآخرين واستنـزاف جهودهم وأموالهم، أو استصغارهم، وتهميش إنجازاتهم وأنشطتهم، وعدم الاعتراف بطاقاتهم وقدراتهم، فهذا إيذاء للناس تحت مظلة التعاون، والعجب ممن يسلك هذا المسلك لِمَ يسربُ طاقاته ويستنـزف موارده وقدراته في إضعاف الآخرين أو إيذائهم وإسقاطهم، فلو صرف هذا الجهد في تطوير منشأته وتفعيل أنشطتها لتقدم على غيره وبارك الله في عمله.
إن التعاون الحقيقي هو المفضي إلى التكامل في العمل الخيري بتكميل الناقص ورتق الخروق، على أساس المحبة والترابط والتلاحم.
ثمار التعاون
أولاً: التعاون يزيد في الإخلاص:
· العمل الخيري لا يعرف سر المهنة، (فلا خوف إذاً من سرقة الابتكارات).
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ يَسْتَحْمِلُهُ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ مَا يَتَحَمَّلُهُ فَدَلَّهُ عَلَى آخَرَ فَحَمَلَهُ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: إِنَّ الدَّالَّ عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ» (8).
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا» (9).
وعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «جَاءَ نَاسٌ مِنْ الْأَعْرَابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ الصُّوفُ فَرَأَى سُوءَ حَالِهِمْ قَدْ أَصَابَتْهُمْ حَاجَةٌ فَحَثَّ النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ فَأَبْطَئُوا عَنْهُ حَتَّى رُئِيَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ قَالَ ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ جَاءَ بِصُرَّةٍ مِنْ وَرِقٍ ثُمَّ جَاءَ آخَرُ ثُمَّ تَتَابَعُوا حَتَّى عُرِفَ السُّرُورُ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» (10). فهل يزهد أحد في هذه الأجور العظيمة من أجل حيلة شيطانية (سر المهنة).
وقال الشافعي: «وددت أن الناس عملوا بهذا العلم ولم ينسبوا إليّ منه حرفاً». وإن تنادى الناس بالحفاظ على أفكارهم والمطالبة بحقوقهم فإن الربانيين يفرحون بانتشار أفكارهم ولو لم تنسب إليهم.
· أفرح إذا أصاب خصمي.
لقد وصل الأمر عند السلف إلى الفرح إذا أصاب الخصم أو المناظر، فكيف بالصاحب المشارك له في عمل الخير والإصلاح! قال حاتم الأصم: «ما ناظرني أحد إلا أفرح إذا أصاب، وأحزن إذا أخطأ، وأحفظ لساني أن أقول فيه ما يسوؤه» وكان أبو عياش المنتوف يقع في عمر بن ذر ويشتمه فلقيه عمر، فقال: «يا هذا لا تفرط في شتمنا وأبق للصلح موضعاً، فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه» (11).
فالهدف لدى الجميع تحقيق الخير، فكل من حقق خيرا ينبغي أن نحبه وندافع عنه، لأنه قام بعمل من مرادنا ومن أهدافنا. هذا في حال من تحامل عليك وقاومك فكيف بمن شاركك في الخبرات من إخوانك الأخيار.
· تقسطت الدعوة.
لا يستطيع فرد أو مجموعة من الناس أو جمعية أن تقوم بجميع الأنشطة وأن توفر جميع الاحتياجات للمجتمع، ولهذا ينبغي أن ندرك جميعا أهمية تفعيل جميع أهل الخير وبخاصة الجهات الخيرية في الرقي بعملها ورفع هممها، لأنهم بدورهم يحملون عنا فروض الكفايات، ومن حمل عنك واجبا فقد أسقط عنك اثمه، قال شيخ الإسلام: ((وكل واحد من الأمة يجب عليه أن يقوم من الدعوة بما يقدر عليه إذا لم يقم به غيره، فما قام به غيره: سقط عنه، وما عجز: لم يطالب به. وأما ما لم يقم به غيره وهو قادر عليه فعليه أن يقوم به، ولهذا يجب على هذا أن يقوم بما لا يجب على ذاك، وقد تقسطت الدعوة على الأمة بحسب ذلك تارة وبحسب غيره أخرى، فقد يدعو هذا إلى اعتقاد الواجب، وهذا إلى عمل ظاهر واجب، وهذا إلى عمل باطن واجب، فتنوع الدعوة يكون في الوجوب تارة، وفي الوقوع أخرى)).
ثانياً: التعاون يجدد الطاقة:
كثيراً ما يخمد الحماس وتضعف الهمم، ويضوي التجديد، ويكل الفكر، ويقل الإنتاج، وتتأخر النتائج، فإذا ما تلاقى أهل الهدف الواحد انبعثت الهمم من جديد وتجددت الطاقة وعادت الحيوية مرة أخرى إلى أغصان الشجرة التي بدأت بالذبول وكادت أن تكون هشيما، فأورث هذا التلاقي والتلاقح والتنسيق والتعاون الأمور التالية:
· تطوير الابتكارات.
· شحذ الهمم إلى التسابق.
· التقدم والإنتاج والتفوق.
· العمل بأكثر من عقل. قال أحد السلف: «العاقل من أضاف إلى عقله عقول العلماء، وإلى رأيه أراء الحكماء، فالعقل الفرد ربما زل، والرأي الفذ ربما ضل».
· تسهيل العمل وتيسيره.
ثالثاً: التعاون يحقق أعظم الاستثمارات:
للتنسيق والتعاون بين الجهات الخيرية أثر كبير على تخفيض التكاليف والمصروفات، بل إن التنسيق والتعاون يحقق لها استثمارات كبيرة ومنها:
· تخفيض التكاليف. المالية والفكرية والعملية.مع إنجاز الأعمال الكبيرة التي قد لا تستطيعها جهة واحدة.
كثير من المشتريات تنخفض قيمتها الشرائية بنسب عالية عند الطلبات الكبيرة، وعدد من الجهات الخيرية عادة ما تكون طلباتها متماثلة، فلو تم التنسيق والتعاون بينها لوفرت مبلغا كبيرا من بند المشتريات
وأذكر على سبيل المثال أن بعض الجهات الخيرية في المدينة والرياض تم التنسيق بينها في شراء الحقيبة المدرسية فانخفضت التكاليف إلى 80% لاستيرادها من أندنوسيا. وقل مثل ذلك في طباعة الكتب، وشراء المستهلكات والمواد الغذائية والأجهزة والطلبات المكتبية.
كما يحقق التنسيق والتعاون تخفيضا في الجهود الفكرية والعملية، فكم صرفت من أوقات وأموال في بحوث وأعمال متماثلة، كان بالإمكان توفيرها لو تم الاطلاع والتعارف بين الجهات الخيرية فضلا عن التنسيق والتعاون.
· يمنع الازدواجية.. سواء في تقديم الخدمات أو تنظيم الأنشطة أو توزيع الأعمال. وقل ما شئت في هذا من التوفير والاحتفاظ بالموارد.
· تخفيض الصرف على التطوير الإداري. فالاشتراك في الدورات، والاستفادة مما عمل الآخرون في التنظيم الإداري وما صرفوه من أموال في عمل اللوائح والنظم وتوزيع الصلاحيات، كل هذا يتأتى للجهات الخيرية ثمرة من ثمار التعاون والتنسيق.
يتبع
1/3
التعاون والتنسيق بين الجمعيات الخيرية
د. يحي بن إبراهيم اليحي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
تعريف التعاون
التعاون: مصدر تعاون مأخوذ من العون الذي يراد به المظاهرة على الشيء(1).
والتعاون هو الأصل في شريعتنا: قال الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}(2) {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا}(3) {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}(4).
والملاحظ أن نصوص الشريعة جاءت بالخطاب الجماعي فقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} وردت 89 مرة، وقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} عشرين مرة، وقوله {يَا بَنِي آدَمَ} خمس مرات دلالة على أهمية الاجتماع والتعاون والتكامل.
عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُسْلِمُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إِنْ اشْتَكَى عَيْنُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ وَإِنْ اشْتَكَى رَأْسُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ» (5).
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ»(6).
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا وَرَضِيَ لَكُمْ ثَلَاثًا رَضِيَ لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَأَنْ تَنْصَحُوا لِوُلَاةِ الْأَمْرِ وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ» (7).
وفي صحيح البخاري: «بَاب التَّعَاوُنِ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ»، و«بَاب تَعَاوُنِ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا».
مفهوم التعاون
هل هو الاندماج، أو الذوبان، أو هو الانضمام تحت إدارة واحدة، أو مجرد حضور اللقاءات، أو التنسيق في معرفة أسماء المستفيدين فقط...؟
بعض التطبيقات الخاطئة لمفهوم التعاون عصفت بالجهات الخيرية وتسببت في زرع البغضاء والضغائن والأحقاد فيما بينها، وهذا في الحقيقة لا يسمى تعاوناً أو تنسيقًا وإن لبس لباسه، وكل تعاون يقصد به الاحتواء وفرض السيطرة، والطلوع على أكتاف الآخرين واستنـزاف جهودهم وأموالهم، أو استصغارهم، وتهميش إنجازاتهم وأنشطتهم، وعدم الاعتراف بطاقاتهم وقدراتهم، فهذا إيذاء للناس تحت مظلة التعاون، والعجب ممن يسلك هذا المسلك لِمَ يسربُ طاقاته ويستنـزف موارده وقدراته في إضعاف الآخرين أو إيذائهم وإسقاطهم، فلو صرف هذا الجهد في تطوير منشأته وتفعيل أنشطتها لتقدم على غيره وبارك الله في عمله.
إن التعاون الحقيقي هو المفضي إلى التكامل في العمل الخيري بتكميل الناقص ورتق الخروق، على أساس المحبة والترابط والتلاحم.
ثمار التعاون
أولاً: التعاون يزيد في الإخلاص:
· العمل الخيري لا يعرف سر المهنة، (فلا خوف إذاً من سرقة الابتكارات).
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ يَسْتَحْمِلُهُ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ مَا يَتَحَمَّلُهُ فَدَلَّهُ عَلَى آخَرَ فَحَمَلَهُ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: إِنَّ الدَّالَّ عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ» (8).
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا» (9).
وعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «جَاءَ نَاسٌ مِنْ الْأَعْرَابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ الصُّوفُ فَرَأَى سُوءَ حَالِهِمْ قَدْ أَصَابَتْهُمْ حَاجَةٌ فَحَثَّ النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ فَأَبْطَئُوا عَنْهُ حَتَّى رُئِيَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ قَالَ ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ جَاءَ بِصُرَّةٍ مِنْ وَرِقٍ ثُمَّ جَاءَ آخَرُ ثُمَّ تَتَابَعُوا حَتَّى عُرِفَ السُّرُورُ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» (10). فهل يزهد أحد في هذه الأجور العظيمة من أجل حيلة شيطانية (سر المهنة).
وقال الشافعي: «وددت أن الناس عملوا بهذا العلم ولم ينسبوا إليّ منه حرفاً». وإن تنادى الناس بالحفاظ على أفكارهم والمطالبة بحقوقهم فإن الربانيين يفرحون بانتشار أفكارهم ولو لم تنسب إليهم.
· أفرح إذا أصاب خصمي.
لقد وصل الأمر عند السلف إلى الفرح إذا أصاب الخصم أو المناظر، فكيف بالصاحب المشارك له في عمل الخير والإصلاح! قال حاتم الأصم: «ما ناظرني أحد إلا أفرح إذا أصاب، وأحزن إذا أخطأ، وأحفظ لساني أن أقول فيه ما يسوؤه» وكان أبو عياش المنتوف يقع في عمر بن ذر ويشتمه فلقيه عمر، فقال: «يا هذا لا تفرط في شتمنا وأبق للصلح موضعاً، فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه» (11).
فالهدف لدى الجميع تحقيق الخير، فكل من حقق خيرا ينبغي أن نحبه وندافع عنه، لأنه قام بعمل من مرادنا ومن أهدافنا. هذا في حال من تحامل عليك وقاومك فكيف بمن شاركك في الخبرات من إخوانك الأخيار.
· تقسطت الدعوة.
لا يستطيع فرد أو مجموعة من الناس أو جمعية أن تقوم بجميع الأنشطة وأن توفر جميع الاحتياجات للمجتمع، ولهذا ينبغي أن ندرك جميعا أهمية تفعيل جميع أهل الخير وبخاصة الجهات الخيرية في الرقي بعملها ورفع هممها، لأنهم بدورهم يحملون عنا فروض الكفايات، ومن حمل عنك واجبا فقد أسقط عنك اثمه، قال شيخ الإسلام: ((وكل واحد من الأمة يجب عليه أن يقوم من الدعوة بما يقدر عليه إذا لم يقم به غيره، فما قام به غيره: سقط عنه، وما عجز: لم يطالب به. وأما ما لم يقم به غيره وهو قادر عليه فعليه أن يقوم به، ولهذا يجب على هذا أن يقوم بما لا يجب على ذاك، وقد تقسطت الدعوة على الأمة بحسب ذلك تارة وبحسب غيره أخرى، فقد يدعو هذا إلى اعتقاد الواجب، وهذا إلى عمل ظاهر واجب، وهذا إلى عمل باطن واجب، فتنوع الدعوة يكون في الوجوب تارة، وفي الوقوع أخرى)).
ثانياً: التعاون يجدد الطاقة:
كثيراً ما يخمد الحماس وتضعف الهمم، ويضوي التجديد، ويكل الفكر، ويقل الإنتاج، وتتأخر النتائج، فإذا ما تلاقى أهل الهدف الواحد انبعثت الهمم من جديد وتجددت الطاقة وعادت الحيوية مرة أخرى إلى أغصان الشجرة التي بدأت بالذبول وكادت أن تكون هشيما، فأورث هذا التلاقي والتلاقح والتنسيق والتعاون الأمور التالية:
· تطوير الابتكارات.
· شحذ الهمم إلى التسابق.
· التقدم والإنتاج والتفوق.
· العمل بأكثر من عقل. قال أحد السلف: «العاقل من أضاف إلى عقله عقول العلماء، وإلى رأيه أراء الحكماء، فالعقل الفرد ربما زل، والرأي الفذ ربما ضل».
· تسهيل العمل وتيسيره.
ثالثاً: التعاون يحقق أعظم الاستثمارات:
للتنسيق والتعاون بين الجهات الخيرية أثر كبير على تخفيض التكاليف والمصروفات، بل إن التنسيق والتعاون يحقق لها استثمارات كبيرة ومنها:
· تخفيض التكاليف. المالية والفكرية والعملية.مع إنجاز الأعمال الكبيرة التي قد لا تستطيعها جهة واحدة.
كثير من المشتريات تنخفض قيمتها الشرائية بنسب عالية عند الطلبات الكبيرة، وعدد من الجهات الخيرية عادة ما تكون طلباتها متماثلة، فلو تم التنسيق والتعاون بينها لوفرت مبلغا كبيرا من بند المشتريات
وأذكر على سبيل المثال أن بعض الجهات الخيرية في المدينة والرياض تم التنسيق بينها في شراء الحقيبة المدرسية فانخفضت التكاليف إلى 80% لاستيرادها من أندنوسيا. وقل مثل ذلك في طباعة الكتب، وشراء المستهلكات والمواد الغذائية والأجهزة والطلبات المكتبية.
كما يحقق التنسيق والتعاون تخفيضا في الجهود الفكرية والعملية، فكم صرفت من أوقات وأموال في بحوث وأعمال متماثلة، كان بالإمكان توفيرها لو تم الاطلاع والتعارف بين الجهات الخيرية فضلا عن التنسيق والتعاون.
· يمنع الازدواجية.. سواء في تقديم الخدمات أو تنظيم الأنشطة أو توزيع الأعمال. وقل ما شئت في هذا من التوفير والاحتفاظ بالموارد.
· تخفيض الصرف على التطوير الإداري. فالاشتراك في الدورات، والاستفادة مما عمل الآخرون في التنظيم الإداري وما صرفوه من أموال في عمل اللوائح والنظم وتوزيع الصلاحيات، كل هذا يتأتى للجهات الخيرية ثمرة من ثمار التعاون والتنسيق.
يتبع