فيصل العوفي
07-04-2007, 06:09 PM
نجيب الزامل
العميانُ ليسوا من كوكبٍ آخر
نجيب الزامل (nalzamil@alyaum.com)
http://www.alyaum.com/images/12/12437/503665_1.jpg
«شخصية الأربعاء: عبدالرزاق التركي»
«فإنها لا تعمى الأبصارُ ولكن تعمى القلوبُ التي في الصدور.»
..طارت الأنباءُ بأن كتاب «جينيس» للأرقام القياسية ستظهر له طبعة عربية. حسناً، هذا أول ما طرأ عليّ وأنا أدخلُ مكتبَ الأخ عبدالرزاق بن علي التركي.
يحرص رجالُ الأعمال والمديرون على التصميم الداخلي لمكاتبهم بأجود أخشاب الماهوجنى، أو أروع اللوحاتِ الأصليةِ، أو ما يدثـِّرُ الجدرانَ من الأقمشةِ الفارهة، حين لم أرَ ولا مليمترا واحداً من الجدران الأربعة لمكتب عبدالرزاق التركي، نعم ولا مليمتراً، حتى لم أعرف لونَ الجدار. على الجدران من أعلاها لأخمصِها، وعلى الرفوف، وداخل الصناديق الزجاجية وعلى الطاولة شهاداتُ تقديرٍ وإنجازٍ معلقة.. شيءٌ يذهلُ العينَ، وكأنك دخلت متحفَ الكريستال حيث ينعكسُ ويتلونُ ويتفرّعُ ويثورُ الضوءُ في مسابقةٍ مهيبةٍ بمضمار الوجود.
بمكتب التركي يقفز النظرُ والعقلُ من شهادةٍ إلى شهادة.. وهي شهاداتٌ تكاد تكون من جهاتِ العالم الأربع.. وهنا طرأ عليّ كتابَ جينيس العربي، لا أظن أن مكتباً عربياً في امتداد الوطن العربي يختال بهذا العدد من الشهادات، وربما لا مسئول أو عامل بقطاع خاص عنده كل ذاك الحمل من الشهادات.. من أجل عملِهِ، من أجل إنجازاتِهِ.. لا من أجل قدْرهِ أو منصبـِه أو هيبتـِه. هذا الرجلُ، أعمى.
أعمى؟.. نعم. ولقد ضم عبدالرزاق عماه، وأخذه معه في رحلةِ النجاح المدهش. إني أومن أن هناك نوعين من البشر، نوعٌ يمشي، وهم أكثرُ سكّان الأرض، لو أصابتهم مشكلة،ٌ أو حطـَّتْ عليهم عاهة،ٌ أو لازمَتهم إعاقة،ُ أثقلتْ مشيـَهم على أديم الأرض، لأنهم حملوه على أعناقِهم، فأربك مسيرتهم في ممرات الحياة. ونوعٌ يطير، وهم قـِلـَّة القِلةِ، نوع ٌمن البشر لهم تكوينـُنا التشريحي، ولكنهم يختلفون عنا بقوةِ إرادة، وصلادة تصميم، فتصير كل إعاقةٍ ريشا بجناح.. فإذا الواحد منهم يخفق جناحاه ليطيرا به لمعالي السمو والإنجاز والتفرد.. فبينما يعاني ويضعف صراعهم مع تحديات الحياة أولئك الذين يمشون ويحملون معهم أثقالا من متاعبهم البدنية أو الظرفية.. يتفوق البشرُ الطائرون لأنهم يضمون إعاقاتهم ويدمجونها من ضمن جناحي الطيران، فإذا هي ريشة جديدة أو ريشتان تقويان قوادم وأطراف الأجنحة ليضربا في تيار الأهوية ويرتفعان في شواهق السماء.. ولم أرَ أنا إنسانا قريبا يضم إعاقته، ويصعدها منصة لنجاحه مثل عبدالرزاق التركي..
نعم الرجل أعمى.. ولكنه من الناس الذين تراهن على ابتسامتهم، لأنها لا تغيب، وهو أعمى، ولكن احذر من فطنة الذكاء التي مثل رشةِ عطرٍ تباغتكَ من سطح صلد.. إنه الرجل الذي يعتني بمظاهر الأناقة والجمال والنظافة بإيقاع مغالٍ وكأنه ليس مبصرا فقط، بل يحمل منظاراً يكبِّرُ ذرات الغبار.. دائماً مفرط الأناقة، وقشيب المظهر، ويمسح معدنَ سيارته بإصبعه ليرى إن كانت لامعة كما يجب، ويتحسس مرزام غترته، لو اعتراه ميلٌ مجهري لغيرها برديفةٍ في دولاب يختبيء وراء الأوسمة..
إنه الأعمى الذي يديرُ الأعمالَ، والذي يرأس مجموعاتٍ نشطة من الجمعيات المهارية والاجتماعية، إنه الأعمى الذي دخل كل منشط اجتماعي خيري وبرع فيه وأضاف إليه أكثر مما كان حين قدم إليه. إنه الرجل الذي تفوق في جامعاتٍ أمريكية وأخذ منها تفوقا بدرجة الشرف في البكالوريوس ثم الماجستير بالفنون، إنه السعودي الذي حمل شهادة «المواطن الذهبي» من منطقة أمريكية.. والذي اختاره مركز «السيَر الشخصية بكامبردج» رجل العام 2000-2001، وكرمته هيئات العالم ابتداء من الأمم المتحدة، ولن تنتهي التكريماتُ والإنجازاتُ إلا أن توقفَ عن لمس سطح سيارتِه، أو عن تلمَّس مرزامِه، أو اختفتْ ابتسامته.. أعمى لا يعرفُ اليأسَ، وهذه الصفة كارثة لمن يعرفه مثلي،لأنه يريدنا أن نكون مثله، ثم يضحك علينا بسره، وأحياناً علـَنا.. لأنه يعرف أننا لا نطير.
عنوان المقال فوق، ليس من عندي، إنه من عنوان لمقال كتبه نفسه عبدالرزاق التركي الرجل الذي رحلَ بصرُه، وبقي قلبه في مكانِه الصحيح، واعتلى عقلـُه مقامَهُ الصحيح.. إنه رجلٌ يثبت أن الخيرَ يسكن في قلوب الطيبين، والحقَّ في قلوب العارفين، والجمالَ في قلوبِ المحبين.. وكلها تسكن في نور الله.
اليوم (http://www.alyaum.com/issue/article.php?IN=12437&I=503665&G=1)
Najeeb@sahara.com
العميانُ ليسوا من كوكبٍ آخر
نجيب الزامل (nalzamil@alyaum.com)
http://www.alyaum.com/images/12/12437/503665_1.jpg
«شخصية الأربعاء: عبدالرزاق التركي»
«فإنها لا تعمى الأبصارُ ولكن تعمى القلوبُ التي في الصدور.»
..طارت الأنباءُ بأن كتاب «جينيس» للأرقام القياسية ستظهر له طبعة عربية. حسناً، هذا أول ما طرأ عليّ وأنا أدخلُ مكتبَ الأخ عبدالرزاق بن علي التركي.
يحرص رجالُ الأعمال والمديرون على التصميم الداخلي لمكاتبهم بأجود أخشاب الماهوجنى، أو أروع اللوحاتِ الأصليةِ، أو ما يدثـِّرُ الجدرانَ من الأقمشةِ الفارهة، حين لم أرَ ولا مليمترا واحداً من الجدران الأربعة لمكتب عبدالرزاق التركي، نعم ولا مليمتراً، حتى لم أعرف لونَ الجدار. على الجدران من أعلاها لأخمصِها، وعلى الرفوف، وداخل الصناديق الزجاجية وعلى الطاولة شهاداتُ تقديرٍ وإنجازٍ معلقة.. شيءٌ يذهلُ العينَ، وكأنك دخلت متحفَ الكريستال حيث ينعكسُ ويتلونُ ويتفرّعُ ويثورُ الضوءُ في مسابقةٍ مهيبةٍ بمضمار الوجود.
بمكتب التركي يقفز النظرُ والعقلُ من شهادةٍ إلى شهادة.. وهي شهاداتٌ تكاد تكون من جهاتِ العالم الأربع.. وهنا طرأ عليّ كتابَ جينيس العربي، لا أظن أن مكتباً عربياً في امتداد الوطن العربي يختال بهذا العدد من الشهادات، وربما لا مسئول أو عامل بقطاع خاص عنده كل ذاك الحمل من الشهادات.. من أجل عملِهِ، من أجل إنجازاتِهِ.. لا من أجل قدْرهِ أو منصبـِه أو هيبتـِه. هذا الرجلُ، أعمى.
أعمى؟.. نعم. ولقد ضم عبدالرزاق عماه، وأخذه معه في رحلةِ النجاح المدهش. إني أومن أن هناك نوعين من البشر، نوعٌ يمشي، وهم أكثرُ سكّان الأرض، لو أصابتهم مشكلة،ٌ أو حطـَّتْ عليهم عاهة،ٌ أو لازمَتهم إعاقة،ُ أثقلتْ مشيـَهم على أديم الأرض، لأنهم حملوه على أعناقِهم، فأربك مسيرتهم في ممرات الحياة. ونوعٌ يطير، وهم قـِلـَّة القِلةِ، نوع ٌمن البشر لهم تكوينـُنا التشريحي، ولكنهم يختلفون عنا بقوةِ إرادة، وصلادة تصميم، فتصير كل إعاقةٍ ريشا بجناح.. فإذا الواحد منهم يخفق جناحاه ليطيرا به لمعالي السمو والإنجاز والتفرد.. فبينما يعاني ويضعف صراعهم مع تحديات الحياة أولئك الذين يمشون ويحملون معهم أثقالا من متاعبهم البدنية أو الظرفية.. يتفوق البشرُ الطائرون لأنهم يضمون إعاقاتهم ويدمجونها من ضمن جناحي الطيران، فإذا هي ريشة جديدة أو ريشتان تقويان قوادم وأطراف الأجنحة ليضربا في تيار الأهوية ويرتفعان في شواهق السماء.. ولم أرَ أنا إنسانا قريبا يضم إعاقته، ويصعدها منصة لنجاحه مثل عبدالرزاق التركي..
نعم الرجل أعمى.. ولكنه من الناس الذين تراهن على ابتسامتهم، لأنها لا تغيب، وهو أعمى، ولكن احذر من فطنة الذكاء التي مثل رشةِ عطرٍ تباغتكَ من سطح صلد.. إنه الرجل الذي يعتني بمظاهر الأناقة والجمال والنظافة بإيقاع مغالٍ وكأنه ليس مبصرا فقط، بل يحمل منظاراً يكبِّرُ ذرات الغبار.. دائماً مفرط الأناقة، وقشيب المظهر، ويمسح معدنَ سيارته بإصبعه ليرى إن كانت لامعة كما يجب، ويتحسس مرزام غترته، لو اعتراه ميلٌ مجهري لغيرها برديفةٍ في دولاب يختبيء وراء الأوسمة..
إنه الأعمى الذي يديرُ الأعمالَ، والذي يرأس مجموعاتٍ نشطة من الجمعيات المهارية والاجتماعية، إنه الأعمى الذي دخل كل منشط اجتماعي خيري وبرع فيه وأضاف إليه أكثر مما كان حين قدم إليه. إنه الرجل الذي تفوق في جامعاتٍ أمريكية وأخذ منها تفوقا بدرجة الشرف في البكالوريوس ثم الماجستير بالفنون، إنه السعودي الذي حمل شهادة «المواطن الذهبي» من منطقة أمريكية.. والذي اختاره مركز «السيَر الشخصية بكامبردج» رجل العام 2000-2001، وكرمته هيئات العالم ابتداء من الأمم المتحدة، ولن تنتهي التكريماتُ والإنجازاتُ إلا أن توقفَ عن لمس سطح سيارتِه، أو عن تلمَّس مرزامِه، أو اختفتْ ابتسامته.. أعمى لا يعرفُ اليأسَ، وهذه الصفة كارثة لمن يعرفه مثلي،لأنه يريدنا أن نكون مثله، ثم يضحك علينا بسره، وأحياناً علـَنا.. لأنه يعرف أننا لا نطير.
عنوان المقال فوق، ليس من عندي، إنه من عنوان لمقال كتبه نفسه عبدالرزاق التركي الرجل الذي رحلَ بصرُه، وبقي قلبه في مكانِه الصحيح، واعتلى عقلـُه مقامَهُ الصحيح.. إنه رجلٌ يثبت أن الخيرَ يسكن في قلوب الطيبين، والحقَّ في قلوب العارفين، والجمالَ في قلوبِ المحبين.. وكلها تسكن في نور الله.
اليوم (http://www.alyaum.com/issue/article.php?IN=12437&I=503665&G=1)
Najeeb@sahara.com