طلحة الدهلوي
03-11-2007, 01:00 AM
المؤسسات الخيرية الدعوية
(جمعية العون المباشر – لجنة مسلمي أفريقيا)
د. عبد الرحمن حمود السميط
مدخل
عندما بدأ العمل في بداية الثمانينات ، على شكل مشاريع محدودة جداً ببناء بعض المساجد في ملاوي،لم نكن ندرك ضخامة وخطورة الأوضاع التي تعاني منها المجتمعات المسلمة سواء كانت أغلبية أو أقلية، وبالذات ما يتعلق بهويتهم الدينية والحضارية .. كانت الأهداف محدودة بتقديم بعض المساعدات وبناء بعض المساجد وحفر بعض الآبار.
إلا أننا بدأنا ندرك بسرة، عندما بدأنا نجوب البلدان ونتوغل داخل القارة، أن المخاطر والتحديات هي على درجة كبيرة جداً من التعقيد والشراسة.
وتعلمنا في البدايات الأولى أنه من المستحيل التفكير في دعم وترسيخ الهوية الإسلامية للشعوب والمجتمعات المسلمة في أفريقيا، من دون العمل على تنمية تلك المجتمعات لأن معظمها كان يعيش في أسوأ دركات التخلف الاجتماعي والاقتصادي.. وبالتالي تغير مفهوم الدعوة من دلالات المصطلح التقليدي إلى فهم شمولي للنهوض بالمجتمعات المسلمة الأفريقية نهضة شاملة..
كما تعلمنا منذ البدايات أيضاً، أن الدعوة الإسلامية في إفريقيا ، بالمعنى الاصطلاحي هذه المرة، لا يمكنها أن تكون على نمط واحد ولا بطرق أخرى ولا بطريقة واحدة، بل اكتشفنا أن هناك تنوعاً هائلاً في الأوضاع، جعلنا نفرك بطرق أخرى للبحث عن أنماط أخرى في الدعوة، تستجيب لمتطلبات ذلك التنوع ، رغم أن المقاصد العامة للدعوة، بقيت هي لأنها غير قابلة للتغيير والتبديل، ألا وهي: إعلاء كلمة الله تعالى، ونشر وتطبيق التعاليم، وإنقاذ ما أمكن من الناس من الدخول إلى النار.
1- واقع التجربة: من الدعوة إلى التنمية ومن التنمية إلى الدعوة
لقد انتقل العمل من شرق القارة إلى غربها على المحيط الأطلسي في بضع سنين.. وبقدر ما كنا نكشف أوضاعاً مرعبة يعيشها المسلمون ( على سبيل المثال، لم يكن في جامعة ملاوي طالباً مسلماً واحداً رغم أن نسبتهم كانت حوالي 17% من مجموع السكان .. ) بقدر ما كنا ننغمس في مجالات جديدة في العمل لم نكن مخططين لها في الأصل، لأنه كان هناك إحساس طاغ في نفوسنا بأننا إذا لم ندعم المسلمين في مجالات معينة من التنمية الاجتماعي، فستكون عندئذ كمن يمارس نوعاً من النفاق، لأنه من غير المتصور أن نساهم في تذكير المسلمين بدينهم، ودعوة غير المسلمين إلى هذا الدين، بينما هم تضورون جوعاً، وتموت نسبة مرتفعة جداً من أطفالهم بسبب سوء التغذية، أو سبب نقص الأملاح في أجسامهم، أو بسبب الأمراض المنتشرة التي يمكن مكافحتها بسهول … الخ .
1- ا: مؤشرات مرعبة:إذا أخذنا " عينة " من البلدان الإفريقية المسلمة، كدول الساحل وتشمل كلا من تشاد، النيجر، بوركينافاسو، السنغال غامبيا وموريتانيا ( وهي بلدان أغلبية ساحقة من السملمين…) فإننا نستخلص الحقائق والمعلومات التالية:
1 –1 –1 : في الصحة:إن متوسط الأعمار في هذه البلدان هو 43 سنة ( مقابل 74 سنة في البلدان الصناعية)، وفيات الأطفال : من 150 إلى 200 طفل من 1000 يموتون قبل بلوغ سنة ( مقابل 10 من 1000 في البلدان الصناعية).
طبيب واحد لكل 22000 نسمة في مالي، وطبيب واحد لكل 60000 نسمة في بوركينافاسو !!
2 – 1 – 1 : في التعليم:
في نفس تلك المرحلة التي بدأنا فيها العمل ، أي في بداية الثمانينات ، كانت مؤشرات التعليم في نفس تلك البلدان كما يلي: بلغت نسبة الأطفال الذي هم في سن الدراسة ( من 6 إلى 11 سنة) الذي يتابعون دراستهم في موريتانيا 24% في مالي 20% ، في النيجر 20% ، في السنغال 37% في تشاد 20% !.
3 –1 – 1: في الاقتصاد
المؤشرات التالية تغني عن البيان
الجدول في الملف المرفق
وفضلاً عن هذا المؤشرات المرعبة، تضاف الديون الخارجية التي تضاعفت بوتيرة خطيرة ما بين 1970و 1980 حيث بلغ إجمالي هذه الديون المذكورة كما يلي:
ـ 450 مليون دولار سنة 1970.
ـ 1040 مليون دولار سنة 1975.
ـ 3545 مليون دولار سنة 1980.
لقد كان لزاماًَ إذن أمام هذا الوضعية الخطيرة التي يعيشها المسلمون ( وغير المسلمين أيضاً ) أن تقترن الدعوة بالعمل التنموي من البداية ، وسرعان ما تبلورت فكرة المراكز متعددة التخصصات وهي مجموعة من المشاريع ( مدرسة ودار أيتام ومستوصف ومركز لتأهيل النساء ثم أضيف مراكز للكمبيوتر خلال النصف الثاني من التسعينات وكذلك مشاريع تنموية صغيرة مدرة للدخل ) تهدف إلى دعم البرنامج الدعوى العام طويل المدى الذي يستهدف منطقة معينة يتم اختيارها بناء على مقاييس سكانية واقتصادية ودينية معينة يتم تحديدها بناء على الخبرة الميدانية المتراكمة. وهكذا إذا انطلقنا من الدعوة إلى التنمية ، ثم نعود للننطلق من التنمية من التنمية إلى الدعوة في حركة جدلية متكاملة لا يمكن أن ينفك بعضها عن بعض ، لأن حاجات الإنسان متنوعة و ( كاد الفقر أن يكون كفراً).
غير أن الدعوة الإسلامية كما تبلورت منذ السنوات الأولى للعمل، لم تكن جامدة في قوالب واحدة، بل أجبرنا التنوع الهائل في أوضاع المسلمين وغير المسلمين إلى تنويع أساليب الدعوة بما يناسب كل وضع ، كثيراً ما نستخدم الوسائل المتعددة في المنطقة الواحدة.
2- الدعوة أنماط ووسائل
لقد تعلمنا من خلال مكابدة الظروف الصعبة ، وأحياناً الخطرة جداً ، أن أوضاع المسلمين تتباين كثيراً من منطقة إلى أخرى ، وأننا إذا لم نراع هذا التنوع، فسنجد أنفسنا معزولين عن الواقع أو أننا سنبذل جهوداً كبيرة، وإمكانات مادية وبشرية ومالية كبيرة هي الأخرى دنون أن نحصل على نتائج تذكر…
وبشكل عام، ينمكن أن صف أساليب الدعوة من وقاع تجربة عشرين سنة الماضية كما يلي:
1 –2:دعوة الجماعات قبل الأفراد
فبرامج الدعوة توجه إلى الجماعات وقبائل بأكملها وليس للأفراد., طبقاً للمخططاتنا على مدى عشر أو عشرين سنة ضمن برامج فرعية متكاملة وممتدة في المكان والمزمان ، حيث تتطور المشاريع والخدمات ( في التعليم والمياه والصحة والطفولة وتأهيل النساء والتدريب المهني والحرفي ولإغاثة ) مع البرامج الدعوية ويلازم أحدها الآخر.
* برنامج شمال موزمبيق:لقد اكتشفنا أن بلاد الواق واق ليست خيالاً شعبياً بل هي منطقة تقع شمال موزمبيق.
وقد سجل المستكشفون البرتغاليون هذا الاسم على خرائطهم منذ القرن السادس عشر… وبعيداً عن الطرائف ، وعودة إلى الواقع المؤلم للمسلمين في هذا البلد الذي دخله الإسلام منذ قرون عدة كامتداد كبيعي لانتشار الإسلام على امتداد السواحل الشرقية حتى وصل وانتشر في عموم شمال موزمبيق التي تقع في أقصى الجنوب الشرق من القارة ، فإن موزمبيق تصنف حسب معايير الأمم المتحدة واحدة من أفقر بلدان العالم، واشفنا منذ أواسط الثمانينات عندما ذهبنا تتعرف على هذا البلد، أن أفقر المناطق في موزمبيق هي مناطق المسلمين في الشمال!
وعلى هذا الأساس، تم أعداد خطة بعيدة المدى منذ سنة 1987محيث تم بناء وتسيير عدة مراكز في بمبا وناكالا على المحيط الهندي في أقصى الشمال الشرقي، ثم في نامبولا في وسط الشمال ثم في لاشينغا في أقصى الشمال الغربي قريباً من بحيرة ملاوي ..هذا البرنامج شمل بناء العديد من المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية ومستوصفات ودور أيتام وتم حفر مئات الآبار.
وكل هذا المشاريع تتم إدارتها مباشرة من طرف " العون المباشر ـ لجنة مسلمي إفريقيا " فضلاً عن برامج موسمية للأضاحي والإفطارات سنوياص وبرامج إغاثة مكثفة.
وبالنسبة للبرامج الدعوية فهي تشتمل سنوياً على برامج فرعية لتأهيل الدعاة والأئمة، ومخيمات للشباب ودورات للنساء، فضلاً عن دعم مستمر لخلاوي القرآنية في كشل مكافآت لتشجيع القائمين عليها للاستمرار في خدمة كتاب الله تعالى وتحفيظه لأبناء المسلمين.
وعلى هذا النمط تعمل البرامج الموجهة للمجموعات في كل البلدان الإفريقية التي تعمل فيها اللجنة. ونستطيع أن نذكر من بين هذه البرامج:
* كينيا:البرنامج الموجه لأسلمة قبائل والرنديلي والبورانا في شمال كينيا وهي قبائل ذا أصول مسلمة وانقرض منها الإسلام إلا من بعض الرموز .
• البرامج الموجه لأسلمة قبائل الغرياما جنوب شرق كينيا.
• البرنامج الموجه للبوكومو والبورانا في وسط شرق كينيا.
• البرنامج الخاص بدعم المسلمين من أصول صومالية وشرق وشمال شرق كينيا.
* مدغشقر:
البرنامج الموجه لأسلمة الأنتيمور في الجنوب الشرقي والسكالافا في الشمال الغربي، وكلها قبائل ذات أصول إسلامية اندثر منها الإسلام إلا من بقايا بعض الرموز وشرع في تنفيذ هذا البرنامج منذ سنة 1994م ولا يزال مستمراً.
* أثيوبيا:
البرنامج الموجه لأسلمة قبائل البورانا جنوبي إثيوبيا، وهم بفطرتها عاداتهم أقرب للسلام منهم للمسيحية التي لم تنجح كثيراً في صفوفهم. وشرع في هذا البرنامج منذ سنة 1997، ولا يزال مستمراً.
* السودان:
البرنامج الموجه لقبائل بهدف المساهمة في تنمية مناطقها، والمساعدة على إحلال الأمن والاستقرار فيها.
البرنامج الموجه لقبائل الدينكا في جنوب كردفان لنفس الأهداف وبدأت هذه البرامج منذ أواسط الثمانينات ولا تزال مستمرة.
* تشاد :البرنامج الموجه للقبائل الوثنية ( والمسيحية جزئياً) في جنوب تشاد الذي عرف ولا يزال محاولات انفصالية وحركات تمرد وذلك بهدف المساهمة في تنمية الجنوب وإحلال الاستقرار والأمن ، وبدأ هذا البرنامج سنة 1994 ولا يزال مستمراً.
* السنغال :
البرنامج الموجه لقبائل الدبولا في جنوب البلد التي رغم انتشار الإسلام فيها إلا أن البلد عانى من حركة انفصالية مسلحة تعمل منذ 22 سنة ، والهدف من البرنامج يمثل نفس الأهداف في برامج السودان وتشاد.
* غينيا:
البرنامج الموجه للقبائل (الفولانية) في منطقة فوتا جالو في المناطق الشمالية من غينيا ، هي قبائل عريقة في الإسلام ، ولها تاريخ مشهود في الدعوة والجهاد ضد الاستعماريين الفرنسي والبريطاني، أصبحت موضوع تركيز قوي من طرق المشروع التنصيري، وتوجد معلومات مؤكدة عن نجاح المنصرين في تنصير عدد كبير من الشباب المسلم الفولاني من الجنسين. وهذا البرنامج يعمل منذ بداية التسعينات ولا يزال مستمراً.
* غانا، توغو، بنين:يوجد برنامج واسع في المناطق الشمالية من هذه البلدان الثلاثة حيث يتركز المسلمون ، مقابل تركز المسيحيين ، ومعهم السلطة والثروة (رغم أن عدد المسلمين أكــبر منهم !) بينما تعاني مناطق المسلمين في هذه البلدان الثلاثة من التهميش الاقتصادي والاجتماعي حيث تتركز الخدمات ومراكز الإنتاج الصناعي والزراعي في الجنوب _ وشرع في هذا البرامج منذ بداية التسعينات ولا يزال مستمراً إلى الآن.
كانت هذه مجرد نماذج من البرامج الدعوية الشاملة لبرامج التنمية الموجهة لأقوام وقبائل ومناطق محددة ولأهداف محددة. لقد علمتنا التجارب أن نركز الجهد ونستخدم الإمكانيات المتاحة بعقلانية وأن تشتيت الجنود والأموال دون استراتيجية واضحة لتحقيق أهداف واضحة هو ضرب الإهدار الذي سنحاسب عليه يوم يقوم الأشهاد دون شك.
2 – 2 دعاة المستقبل
لقد ترسخت لدى العون المباشر " قناعة راسخة، منذ سنوات عديدة، وأن مستقبل المسلمين في إفريقيا لن تنبيه " المساعدات " التي تقدمها بعض الدول الغنية ، التي تأخذ بالشمال أضعافاً مضاعفة ما تقدمه باليمين.. وإنما سيبنيه أبناؤها بأنفسهم.
والناظر إلى الأحوال الدينية للمجتمعات المسلمة في إفريقيا سيصاب بقدر متواز من الشعور بالرضا والآسى معا: فالمسلمون الأفارقة معروفون بحبهم العارم للإسلام، ولكنهم في نفس الوقت ورثوا أنواعاً من التدين الذي قد ينفع أصحابه كأفراد، ولكنه لا يؤهلهم لبناء مجتمعاتهم في المستقبل على أسس الإسلام الصحيح، أما أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية فقد سبقت الإشارة إلى بعض مؤشراتها المؤلمة.
انطلاقاً من هذه الوضعية " العون المباشر " تصورات بعيدة المدى لإعداد " دعاة المستقبل "، ثم أعقبت هذا التصورات تطبيقات عملية لتنفيذ استراتيجية خاصة لهؤلاء الدعاة المستقبليين.
والفكرة في جوهرها بسيطة لكنها في التطبيق تطلبت جهوداً وإمكانيات كبيرة، فهي تقوم على أساس اختيار أيتام وأطفال من القبائل المختلفة، ثم إيوائهم في مراكز " العون المباشر" والدراسة في مدارسها والاستفادة من الخدمات التي تقدمها المراكز ( غذائية وصحية وتربوية إسلامية وغيرها من الخدمات ) على أساس إعداد هؤلاء الأيتام والأطفال من الصغر تعليمياً ودينياً واجتماعياً ، مع إشراكهم في مرحلة معينة في البرامج الدعوية ومشاركتهم الفعلية في القوافل الدعوية والتنقل ( أحياناً على الأرجل ) تدريباً لهم وإعداداً لتحمل أعباء الدعوة، للمساهمة في قيادة مجتمعاتهم مستقبلاً بعون الله ، ثم بإعداد المتميزين منهم لمراحل التعليم المختلفة ،وبفضل من الله ونعمة، يتم تطبيق هذا الاستراتيجية في 32 بلد إفريقياً.
3 –2 : الدعوة بالكتاب المترجم
أدركنا من البدايات الأولى للعمل كذلك أن هناك فراغاً مخيفاً فيما يتعلق بالكتاب الإسلامي، في الساحة الإفريقية، وأدركنا كذلك أن دور الكتاب في الدعوة جوهري لنشر وترسيخ الثقافة الإسلامية.
وكان لزاماً علينا كذلك التركيز على ترجمة الكتب الإسلامية إلى لغات الجماعات والقبائل ، فضلاً عن اللغات الفرنسية والإنجليزية والبرتغالية وهي اللغات الرسمية في كل البلدان الإفريقية تقريباً.
وعرف هذا النشاط من الدعوة مرحليتين رئيستين:
المرحلة الأولى : استغرقت السنوات العشر الأولى ( أي طوال الثمانينات ) كان التركيز فيها على ترجمة ونشر كتب صغيرة الحجم تدور كلها تقريباً حول التعرف بأساسيات الدين في العقيدة وفقه الصلاة والصوم وبعض الموضوعات الأخرى ذات العلاقة .
أما المرحلة الثانية ( عقد التسعينات ): فقد توسعت فيها مجالات الترجمة والنشر لتشمل طائفة متنوعة من الموضوعات المتعلقة بسيرة الرسول – صلى الله عليه وسلم – وسير الصحابة والصحابيات وبقضايا ثقافية وفكرية إسلامية معاصرة منها: الحوار مع المسيحية ، وقضايا المرأة في الإسلام على سبيل المثال.
ولأخذ فكرة عن حجم العمل المبذول في هذا المجال نسوق الإحصائيات التالية، وهي تتعلق بسنة 2001 ويمكن القياس عليها بالنسبة للسنوات العشر الماضية.
الجدول في الملف الرفق
3- كيف تبلورت إستراتيجيات الدعوة ؟
لم يكن بالإمكان التخطيط لأي شئ دون معرفة الواقع الإفريقي في تفاصيله وتلاوينه المختلفة وذلك بالزيارات الميدانية والإطلاع المباشر على أوضاع وأحوال المجتمعات الإفريقية عامة والإسلامية منها خاصة سواء في العوالم الحضرية، أو العوالم القروية مهما كانت نائية وصعبة للوصول إليها .
وبعد سنوات من الإطلاع والاستكشاف ، اتضحت إلى حد كبير الصورة العامة لأوضاع تلك المجتمعات ، وكانت هذه المرحلة هي الخطوة الأولى الضرورية لبلورة استراتيجيات على أساس الاعتبارات الجوهرية التالية:
1-3 النسبة العددية للسكان المسلمين• هناك بلدان كانت غالبية مسلمة ( 90% من إجمالي السكان فما فوق ) ولها تاريخ إسلامي عريق في الدعوة والجهاد ونشر الثقافة العربية والإسلامية، وهذه لها أوضاعها الخاصة التي أخذت في الاعتبارات وبالتالي كانت الأهداف التي تم التركيز عليها دعم وتقوية عناصر القوة في الحياة الدينية للمسلمين في هذه البلدان ببرامج مناسبة ومتنوعة.
• وهناك بلدان ذات أقليات مسلمة ( تتراوح بشكل عام بين 40% مثلاً و 1% أو أقل) ، وهذه الأقليات المسلمة لها أوضاعها الخاصة، وبالتالي فإن الأهداف الخاصة بها تشترك مع سابقتها وتزيد عليها بنوع من التركيز على برامج خاصة لا سيما الاهتمام بتوفير فرص التعليم الجامعي والعالي في بلدانها أو خارجها.
• ثم هناك المجتمعات الإفريقية التي لا تزال على دياناتها التقليدية ( الأرواحية والوثنية ) أو لمن انتشرت فيها المسيحية ، واستراتيجية الدعوة في هذا الحالة تركز على الدعوة لاعتناق الإسلام ببرامج وأساليب أخرى، تدخل فيها المشاريع ودور الكتب والدعوة الميدانية والإغاثة.. الخ.
2- 3 : اكتشاف " المناطق الهشة "والمقصود وجود مناطق وبلدان معينة تخضع لتنفيذ استراتيجيات خارجية بالأساس تهدف إلى تفتيت المناطق القوية للمسلمين وإضعافها لصالح المشروع التنصيري أو لصالح النفوذ الأجنبي لهذه القوة الاستعمارية السابقة أو تلك أو لصالحهما معاً.
وعادة ما تستغل التمايزات القبلية والدينية لإيجاد مسوغات لتنفيذ تلك الاستراتيجيات ، ونستطيع أن نضرب مثلاً رئيسياً بما يعرف بـ " خط النار " وهو خط من الفتن الداخلية ذات الخلفيات الخارجية الممتدة من السنغال إلى السودان مروراً بمالي والنيجر وتشاد .
ومن " المناطق الهشة " كذلك، الأوضاع في منطقة القرن الإفريقي بكل تداعياته على البلدان الواقعة في المنطقة ، ولكن بالأساس على حساب المسلمين في هذه المناطق…
هذه الأوضاع التي تعمل على إضعاف شوكة المسلمين فيها، وإن كانت القناعة الحاصلة الآن لدى " العون المباشر " أن التنمية الشاملة والتعاون الإقليمي هما المخرج الوحيد من مخاطر الصراعات الإقليمية وشراك الفتن التي يؤججها خصوم إفريقيا والإسلام، وفي تقديرنا فإن المنظمات الإسلامية غير الحكومية تستطيع أن تقوم بدور جيد في هذا المجال ، إن هي اتجهت للتنسيق والتعاون فيما بينها وهذا أمر نعتقد أنه واجب شرعي.
(جمعية العون المباشر – لجنة مسلمي أفريقيا)
د. عبد الرحمن حمود السميط
مدخل
عندما بدأ العمل في بداية الثمانينات ، على شكل مشاريع محدودة جداً ببناء بعض المساجد في ملاوي،لم نكن ندرك ضخامة وخطورة الأوضاع التي تعاني منها المجتمعات المسلمة سواء كانت أغلبية أو أقلية، وبالذات ما يتعلق بهويتهم الدينية والحضارية .. كانت الأهداف محدودة بتقديم بعض المساعدات وبناء بعض المساجد وحفر بعض الآبار.
إلا أننا بدأنا ندرك بسرة، عندما بدأنا نجوب البلدان ونتوغل داخل القارة، أن المخاطر والتحديات هي على درجة كبيرة جداً من التعقيد والشراسة.
وتعلمنا في البدايات الأولى أنه من المستحيل التفكير في دعم وترسيخ الهوية الإسلامية للشعوب والمجتمعات المسلمة في أفريقيا، من دون العمل على تنمية تلك المجتمعات لأن معظمها كان يعيش في أسوأ دركات التخلف الاجتماعي والاقتصادي.. وبالتالي تغير مفهوم الدعوة من دلالات المصطلح التقليدي إلى فهم شمولي للنهوض بالمجتمعات المسلمة الأفريقية نهضة شاملة..
كما تعلمنا منذ البدايات أيضاً، أن الدعوة الإسلامية في إفريقيا ، بالمعنى الاصطلاحي هذه المرة، لا يمكنها أن تكون على نمط واحد ولا بطرق أخرى ولا بطريقة واحدة، بل اكتشفنا أن هناك تنوعاً هائلاً في الأوضاع، جعلنا نفرك بطرق أخرى للبحث عن أنماط أخرى في الدعوة، تستجيب لمتطلبات ذلك التنوع ، رغم أن المقاصد العامة للدعوة، بقيت هي لأنها غير قابلة للتغيير والتبديل، ألا وهي: إعلاء كلمة الله تعالى، ونشر وتطبيق التعاليم، وإنقاذ ما أمكن من الناس من الدخول إلى النار.
1- واقع التجربة: من الدعوة إلى التنمية ومن التنمية إلى الدعوة
لقد انتقل العمل من شرق القارة إلى غربها على المحيط الأطلسي في بضع سنين.. وبقدر ما كنا نكشف أوضاعاً مرعبة يعيشها المسلمون ( على سبيل المثال، لم يكن في جامعة ملاوي طالباً مسلماً واحداً رغم أن نسبتهم كانت حوالي 17% من مجموع السكان .. ) بقدر ما كنا ننغمس في مجالات جديدة في العمل لم نكن مخططين لها في الأصل، لأنه كان هناك إحساس طاغ في نفوسنا بأننا إذا لم ندعم المسلمين في مجالات معينة من التنمية الاجتماعي، فستكون عندئذ كمن يمارس نوعاً من النفاق، لأنه من غير المتصور أن نساهم في تذكير المسلمين بدينهم، ودعوة غير المسلمين إلى هذا الدين، بينما هم تضورون جوعاً، وتموت نسبة مرتفعة جداً من أطفالهم بسبب سوء التغذية، أو سبب نقص الأملاح في أجسامهم، أو بسبب الأمراض المنتشرة التي يمكن مكافحتها بسهول … الخ .
1- ا: مؤشرات مرعبة:إذا أخذنا " عينة " من البلدان الإفريقية المسلمة، كدول الساحل وتشمل كلا من تشاد، النيجر، بوركينافاسو، السنغال غامبيا وموريتانيا ( وهي بلدان أغلبية ساحقة من السملمين…) فإننا نستخلص الحقائق والمعلومات التالية:
1 –1 –1 : في الصحة:إن متوسط الأعمار في هذه البلدان هو 43 سنة ( مقابل 74 سنة في البلدان الصناعية)، وفيات الأطفال : من 150 إلى 200 طفل من 1000 يموتون قبل بلوغ سنة ( مقابل 10 من 1000 في البلدان الصناعية).
طبيب واحد لكل 22000 نسمة في مالي، وطبيب واحد لكل 60000 نسمة في بوركينافاسو !!
2 – 1 – 1 : في التعليم:
في نفس تلك المرحلة التي بدأنا فيها العمل ، أي في بداية الثمانينات ، كانت مؤشرات التعليم في نفس تلك البلدان كما يلي: بلغت نسبة الأطفال الذي هم في سن الدراسة ( من 6 إلى 11 سنة) الذي يتابعون دراستهم في موريتانيا 24% في مالي 20% ، في النيجر 20% ، في السنغال 37% في تشاد 20% !.
3 –1 – 1: في الاقتصاد
المؤشرات التالية تغني عن البيان
الجدول في الملف المرفق
وفضلاً عن هذا المؤشرات المرعبة، تضاف الديون الخارجية التي تضاعفت بوتيرة خطيرة ما بين 1970و 1980 حيث بلغ إجمالي هذه الديون المذكورة كما يلي:
ـ 450 مليون دولار سنة 1970.
ـ 1040 مليون دولار سنة 1975.
ـ 3545 مليون دولار سنة 1980.
لقد كان لزاماًَ إذن أمام هذا الوضعية الخطيرة التي يعيشها المسلمون ( وغير المسلمين أيضاً ) أن تقترن الدعوة بالعمل التنموي من البداية ، وسرعان ما تبلورت فكرة المراكز متعددة التخصصات وهي مجموعة من المشاريع ( مدرسة ودار أيتام ومستوصف ومركز لتأهيل النساء ثم أضيف مراكز للكمبيوتر خلال النصف الثاني من التسعينات وكذلك مشاريع تنموية صغيرة مدرة للدخل ) تهدف إلى دعم البرنامج الدعوى العام طويل المدى الذي يستهدف منطقة معينة يتم اختيارها بناء على مقاييس سكانية واقتصادية ودينية معينة يتم تحديدها بناء على الخبرة الميدانية المتراكمة. وهكذا إذا انطلقنا من الدعوة إلى التنمية ، ثم نعود للننطلق من التنمية من التنمية إلى الدعوة في حركة جدلية متكاملة لا يمكن أن ينفك بعضها عن بعض ، لأن حاجات الإنسان متنوعة و ( كاد الفقر أن يكون كفراً).
غير أن الدعوة الإسلامية كما تبلورت منذ السنوات الأولى للعمل، لم تكن جامدة في قوالب واحدة، بل أجبرنا التنوع الهائل في أوضاع المسلمين وغير المسلمين إلى تنويع أساليب الدعوة بما يناسب كل وضع ، كثيراً ما نستخدم الوسائل المتعددة في المنطقة الواحدة.
2- الدعوة أنماط ووسائل
لقد تعلمنا من خلال مكابدة الظروف الصعبة ، وأحياناً الخطرة جداً ، أن أوضاع المسلمين تتباين كثيراً من منطقة إلى أخرى ، وأننا إذا لم نراع هذا التنوع، فسنجد أنفسنا معزولين عن الواقع أو أننا سنبذل جهوداً كبيرة، وإمكانات مادية وبشرية ومالية كبيرة هي الأخرى دنون أن نحصل على نتائج تذكر…
وبشكل عام، ينمكن أن صف أساليب الدعوة من وقاع تجربة عشرين سنة الماضية كما يلي:
1 –2:دعوة الجماعات قبل الأفراد
فبرامج الدعوة توجه إلى الجماعات وقبائل بأكملها وليس للأفراد., طبقاً للمخططاتنا على مدى عشر أو عشرين سنة ضمن برامج فرعية متكاملة وممتدة في المكان والمزمان ، حيث تتطور المشاريع والخدمات ( في التعليم والمياه والصحة والطفولة وتأهيل النساء والتدريب المهني والحرفي ولإغاثة ) مع البرامج الدعوية ويلازم أحدها الآخر.
* برنامج شمال موزمبيق:لقد اكتشفنا أن بلاد الواق واق ليست خيالاً شعبياً بل هي منطقة تقع شمال موزمبيق.
وقد سجل المستكشفون البرتغاليون هذا الاسم على خرائطهم منذ القرن السادس عشر… وبعيداً عن الطرائف ، وعودة إلى الواقع المؤلم للمسلمين في هذا البلد الذي دخله الإسلام منذ قرون عدة كامتداد كبيعي لانتشار الإسلام على امتداد السواحل الشرقية حتى وصل وانتشر في عموم شمال موزمبيق التي تقع في أقصى الجنوب الشرق من القارة ، فإن موزمبيق تصنف حسب معايير الأمم المتحدة واحدة من أفقر بلدان العالم، واشفنا منذ أواسط الثمانينات عندما ذهبنا تتعرف على هذا البلد، أن أفقر المناطق في موزمبيق هي مناطق المسلمين في الشمال!
وعلى هذا الأساس، تم أعداد خطة بعيدة المدى منذ سنة 1987محيث تم بناء وتسيير عدة مراكز في بمبا وناكالا على المحيط الهندي في أقصى الشمال الشرقي، ثم في نامبولا في وسط الشمال ثم في لاشينغا في أقصى الشمال الغربي قريباً من بحيرة ملاوي ..هذا البرنامج شمل بناء العديد من المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية ومستوصفات ودور أيتام وتم حفر مئات الآبار.
وكل هذا المشاريع تتم إدارتها مباشرة من طرف " العون المباشر ـ لجنة مسلمي إفريقيا " فضلاً عن برامج موسمية للأضاحي والإفطارات سنوياص وبرامج إغاثة مكثفة.
وبالنسبة للبرامج الدعوية فهي تشتمل سنوياً على برامج فرعية لتأهيل الدعاة والأئمة، ومخيمات للشباب ودورات للنساء، فضلاً عن دعم مستمر لخلاوي القرآنية في كشل مكافآت لتشجيع القائمين عليها للاستمرار في خدمة كتاب الله تعالى وتحفيظه لأبناء المسلمين.
وعلى هذا النمط تعمل البرامج الموجهة للمجموعات في كل البلدان الإفريقية التي تعمل فيها اللجنة. ونستطيع أن نذكر من بين هذه البرامج:
* كينيا:البرنامج الموجه لأسلمة قبائل والرنديلي والبورانا في شمال كينيا وهي قبائل ذا أصول مسلمة وانقرض منها الإسلام إلا من بعض الرموز .
• البرامج الموجه لأسلمة قبائل الغرياما جنوب شرق كينيا.
• البرنامج الموجه للبوكومو والبورانا في وسط شرق كينيا.
• البرنامج الخاص بدعم المسلمين من أصول صومالية وشرق وشمال شرق كينيا.
* مدغشقر:
البرنامج الموجه لأسلمة الأنتيمور في الجنوب الشرقي والسكالافا في الشمال الغربي، وكلها قبائل ذات أصول إسلامية اندثر منها الإسلام إلا من بقايا بعض الرموز وشرع في تنفيذ هذا البرنامج منذ سنة 1994م ولا يزال مستمراً.
* أثيوبيا:
البرنامج الموجه لأسلمة قبائل البورانا جنوبي إثيوبيا، وهم بفطرتها عاداتهم أقرب للسلام منهم للمسيحية التي لم تنجح كثيراً في صفوفهم. وشرع في هذا البرنامج منذ سنة 1997، ولا يزال مستمراً.
* السودان:
البرنامج الموجه لقبائل بهدف المساهمة في تنمية مناطقها، والمساعدة على إحلال الأمن والاستقرار فيها.
البرنامج الموجه لقبائل الدينكا في جنوب كردفان لنفس الأهداف وبدأت هذه البرامج منذ أواسط الثمانينات ولا تزال مستمرة.
* تشاد :البرنامج الموجه للقبائل الوثنية ( والمسيحية جزئياً) في جنوب تشاد الذي عرف ولا يزال محاولات انفصالية وحركات تمرد وذلك بهدف المساهمة في تنمية الجنوب وإحلال الاستقرار والأمن ، وبدأ هذا البرنامج سنة 1994 ولا يزال مستمراً.
* السنغال :
البرنامج الموجه لقبائل الدبولا في جنوب البلد التي رغم انتشار الإسلام فيها إلا أن البلد عانى من حركة انفصالية مسلحة تعمل منذ 22 سنة ، والهدف من البرنامج يمثل نفس الأهداف في برامج السودان وتشاد.
* غينيا:
البرنامج الموجه للقبائل (الفولانية) في منطقة فوتا جالو في المناطق الشمالية من غينيا ، هي قبائل عريقة في الإسلام ، ولها تاريخ مشهود في الدعوة والجهاد ضد الاستعماريين الفرنسي والبريطاني، أصبحت موضوع تركيز قوي من طرق المشروع التنصيري، وتوجد معلومات مؤكدة عن نجاح المنصرين في تنصير عدد كبير من الشباب المسلم الفولاني من الجنسين. وهذا البرنامج يعمل منذ بداية التسعينات ولا يزال مستمراً.
* غانا، توغو، بنين:يوجد برنامج واسع في المناطق الشمالية من هذه البلدان الثلاثة حيث يتركز المسلمون ، مقابل تركز المسيحيين ، ومعهم السلطة والثروة (رغم أن عدد المسلمين أكــبر منهم !) بينما تعاني مناطق المسلمين في هذه البلدان الثلاثة من التهميش الاقتصادي والاجتماعي حيث تتركز الخدمات ومراكز الإنتاج الصناعي والزراعي في الجنوب _ وشرع في هذا البرامج منذ بداية التسعينات ولا يزال مستمراً إلى الآن.
كانت هذه مجرد نماذج من البرامج الدعوية الشاملة لبرامج التنمية الموجهة لأقوام وقبائل ومناطق محددة ولأهداف محددة. لقد علمتنا التجارب أن نركز الجهد ونستخدم الإمكانيات المتاحة بعقلانية وأن تشتيت الجنود والأموال دون استراتيجية واضحة لتحقيق أهداف واضحة هو ضرب الإهدار الذي سنحاسب عليه يوم يقوم الأشهاد دون شك.
2 – 2 دعاة المستقبل
لقد ترسخت لدى العون المباشر " قناعة راسخة، منذ سنوات عديدة، وأن مستقبل المسلمين في إفريقيا لن تنبيه " المساعدات " التي تقدمها بعض الدول الغنية ، التي تأخذ بالشمال أضعافاً مضاعفة ما تقدمه باليمين.. وإنما سيبنيه أبناؤها بأنفسهم.
والناظر إلى الأحوال الدينية للمجتمعات المسلمة في إفريقيا سيصاب بقدر متواز من الشعور بالرضا والآسى معا: فالمسلمون الأفارقة معروفون بحبهم العارم للإسلام، ولكنهم في نفس الوقت ورثوا أنواعاً من التدين الذي قد ينفع أصحابه كأفراد، ولكنه لا يؤهلهم لبناء مجتمعاتهم في المستقبل على أسس الإسلام الصحيح، أما أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية فقد سبقت الإشارة إلى بعض مؤشراتها المؤلمة.
انطلاقاً من هذه الوضعية " العون المباشر " تصورات بعيدة المدى لإعداد " دعاة المستقبل "، ثم أعقبت هذا التصورات تطبيقات عملية لتنفيذ استراتيجية خاصة لهؤلاء الدعاة المستقبليين.
والفكرة في جوهرها بسيطة لكنها في التطبيق تطلبت جهوداً وإمكانيات كبيرة، فهي تقوم على أساس اختيار أيتام وأطفال من القبائل المختلفة، ثم إيوائهم في مراكز " العون المباشر" والدراسة في مدارسها والاستفادة من الخدمات التي تقدمها المراكز ( غذائية وصحية وتربوية إسلامية وغيرها من الخدمات ) على أساس إعداد هؤلاء الأيتام والأطفال من الصغر تعليمياً ودينياً واجتماعياً ، مع إشراكهم في مرحلة معينة في البرامج الدعوية ومشاركتهم الفعلية في القوافل الدعوية والتنقل ( أحياناً على الأرجل ) تدريباً لهم وإعداداً لتحمل أعباء الدعوة، للمساهمة في قيادة مجتمعاتهم مستقبلاً بعون الله ، ثم بإعداد المتميزين منهم لمراحل التعليم المختلفة ،وبفضل من الله ونعمة، يتم تطبيق هذا الاستراتيجية في 32 بلد إفريقياً.
3 –2 : الدعوة بالكتاب المترجم
أدركنا من البدايات الأولى للعمل كذلك أن هناك فراغاً مخيفاً فيما يتعلق بالكتاب الإسلامي، في الساحة الإفريقية، وأدركنا كذلك أن دور الكتاب في الدعوة جوهري لنشر وترسيخ الثقافة الإسلامية.
وكان لزاماً علينا كذلك التركيز على ترجمة الكتب الإسلامية إلى لغات الجماعات والقبائل ، فضلاً عن اللغات الفرنسية والإنجليزية والبرتغالية وهي اللغات الرسمية في كل البلدان الإفريقية تقريباً.
وعرف هذا النشاط من الدعوة مرحليتين رئيستين:
المرحلة الأولى : استغرقت السنوات العشر الأولى ( أي طوال الثمانينات ) كان التركيز فيها على ترجمة ونشر كتب صغيرة الحجم تدور كلها تقريباً حول التعرف بأساسيات الدين في العقيدة وفقه الصلاة والصوم وبعض الموضوعات الأخرى ذات العلاقة .
أما المرحلة الثانية ( عقد التسعينات ): فقد توسعت فيها مجالات الترجمة والنشر لتشمل طائفة متنوعة من الموضوعات المتعلقة بسيرة الرسول – صلى الله عليه وسلم – وسير الصحابة والصحابيات وبقضايا ثقافية وفكرية إسلامية معاصرة منها: الحوار مع المسيحية ، وقضايا المرأة في الإسلام على سبيل المثال.
ولأخذ فكرة عن حجم العمل المبذول في هذا المجال نسوق الإحصائيات التالية، وهي تتعلق بسنة 2001 ويمكن القياس عليها بالنسبة للسنوات العشر الماضية.
الجدول في الملف الرفق
3- كيف تبلورت إستراتيجيات الدعوة ؟
لم يكن بالإمكان التخطيط لأي شئ دون معرفة الواقع الإفريقي في تفاصيله وتلاوينه المختلفة وذلك بالزيارات الميدانية والإطلاع المباشر على أوضاع وأحوال المجتمعات الإفريقية عامة والإسلامية منها خاصة سواء في العوالم الحضرية، أو العوالم القروية مهما كانت نائية وصعبة للوصول إليها .
وبعد سنوات من الإطلاع والاستكشاف ، اتضحت إلى حد كبير الصورة العامة لأوضاع تلك المجتمعات ، وكانت هذه المرحلة هي الخطوة الأولى الضرورية لبلورة استراتيجيات على أساس الاعتبارات الجوهرية التالية:
1-3 النسبة العددية للسكان المسلمين• هناك بلدان كانت غالبية مسلمة ( 90% من إجمالي السكان فما فوق ) ولها تاريخ إسلامي عريق في الدعوة والجهاد ونشر الثقافة العربية والإسلامية، وهذه لها أوضاعها الخاصة التي أخذت في الاعتبارات وبالتالي كانت الأهداف التي تم التركيز عليها دعم وتقوية عناصر القوة في الحياة الدينية للمسلمين في هذه البلدان ببرامج مناسبة ومتنوعة.
• وهناك بلدان ذات أقليات مسلمة ( تتراوح بشكل عام بين 40% مثلاً و 1% أو أقل) ، وهذه الأقليات المسلمة لها أوضاعها الخاصة، وبالتالي فإن الأهداف الخاصة بها تشترك مع سابقتها وتزيد عليها بنوع من التركيز على برامج خاصة لا سيما الاهتمام بتوفير فرص التعليم الجامعي والعالي في بلدانها أو خارجها.
• ثم هناك المجتمعات الإفريقية التي لا تزال على دياناتها التقليدية ( الأرواحية والوثنية ) أو لمن انتشرت فيها المسيحية ، واستراتيجية الدعوة في هذا الحالة تركز على الدعوة لاعتناق الإسلام ببرامج وأساليب أخرى، تدخل فيها المشاريع ودور الكتب والدعوة الميدانية والإغاثة.. الخ.
2- 3 : اكتشاف " المناطق الهشة "والمقصود وجود مناطق وبلدان معينة تخضع لتنفيذ استراتيجيات خارجية بالأساس تهدف إلى تفتيت المناطق القوية للمسلمين وإضعافها لصالح المشروع التنصيري أو لصالح النفوذ الأجنبي لهذه القوة الاستعمارية السابقة أو تلك أو لصالحهما معاً.
وعادة ما تستغل التمايزات القبلية والدينية لإيجاد مسوغات لتنفيذ تلك الاستراتيجيات ، ونستطيع أن نضرب مثلاً رئيسياً بما يعرف بـ " خط النار " وهو خط من الفتن الداخلية ذات الخلفيات الخارجية الممتدة من السنغال إلى السودان مروراً بمالي والنيجر وتشاد .
ومن " المناطق الهشة " كذلك، الأوضاع في منطقة القرن الإفريقي بكل تداعياته على البلدان الواقعة في المنطقة ، ولكن بالأساس على حساب المسلمين في هذه المناطق…
هذه الأوضاع التي تعمل على إضعاف شوكة المسلمين فيها، وإن كانت القناعة الحاصلة الآن لدى " العون المباشر " أن التنمية الشاملة والتعاون الإقليمي هما المخرج الوحيد من مخاطر الصراعات الإقليمية وشراك الفتن التي يؤججها خصوم إفريقيا والإسلام، وفي تقديرنا فإن المنظمات الإسلامية غير الحكومية تستطيع أن تقوم بدور جيد في هذا المجال ، إن هي اتجهت للتنسيق والتعاون فيما بينها وهذا أمر نعتقد أنه واجب شرعي.