المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : "حكم كفالة الأيتام ومجهولي النسب" للشيخ. أحمد حماني رحمه الله


طلحة الدهلوي
03-09-2007, 01:27 AM
كان التبني في الجاهلية إلى صدر الإسلام من الأمور المباحة، فتبنى الرسول زيد بن حارثة وكان يدعى زيدا بن محمد، ثم أبطل الله التبني بقولـه تعالى:( ما كان محمّد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول اللّه وخاتم النّبيّين )[الأحزاب/40]، وقد أمر الله تعالى نبينا أن يتزوج بطليقة زيد المسماة زينب بنت جحش رضي الله عنهـا، حـتى يمحـو فكـرة التبـني من أذهان الناس. ولا يزال الجدال قائما إلى يومنا هذا بين مؤيد ورافض لفكرة التبني التي أعيد إحياؤها بدخول المستعمر الفرنسي إلى الجزائر، بحيث أباح التبني ونظم له قوانين وجعله من الأمور اللازمة والضرورية في بناء مجتمع متكامل، بدعوى أنه عمل إنساني يعود بالنفع والخير الوفير على فئة مجهولي النسب. والشريعة الإسلامية السمحة نظمت حياة الأفراد وضمنت لهم الحيـاة الكريـمة من غير أن يظلموا أو يظلموا وكسرت كل أوجه التفاضل بين الناس وإلا واحدا هو التفاضل في العمل الصالح والتقوى بدليل قوله تعالى: ( ياأيّها النّاس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند اللّه أتقاكم)[الحجرات/13]، وقوله: ((أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب ليس لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أبيض ولا لأبيض على أحمر فضل إلا بالتقوى...)).[مسلم]. ومنذ دخول المستعمر الفرنسي إلى بلادنا أصبح التبني الجاهلي أمرا مباحا وأمرا ميسورا للغاية فمن الناس من تبنى هذه الفكرة وطبقها بحذافيرها إلى يومنا هذا بل ويدافع عنها أيضا، ومنهم من بقي على أصالته يستقي من نبع الشريعة الإسلامية الصافي ويرفض فكرة التبني جملة وتفصيلا، ومنهم من بقي في منزلة بين المنــزلتين في انتظـار التوجيه المناسب في حدود شرعية معاصرة. فلنا إذا أن نتساءل كيف يمكن عصرنة هذه الفكرة دون أن تعارض الحكم الشرعي؟ وكيف يمكن دمجها ضمن القوانين التي تنظم الحياة اليومية للفرد والمجتمع؟. هذه تساؤلات تفطن لها الشيخ أحمد حماني رحمه الله عندما أصدر فتوى تكفل كرامة وحقوق مجهولي النسب، يسرنا في هذا الإصدار أن نضعها بين أيدي القراء مشفوعة بالتعليق العلمي المناسب: حكم التبني والميراث:
يقول أحد السائلين: قامت عمتي بكفالة طفل يتيم فتبنته وأوصت كتابيا بأن يرثها كأنه ابنها. ونظرا لأني الوحيد من عائلتها فإني أطلب منكم أن ترشدوني فيما يأتي:
1-هل الطفل المتبنى له الحق في الميراث؟
2- وبنا على الوصية الموصى بها هل يأخذ كل الموروث؟
3- وإذا كان له الحق في الوصية ما هو حقه؟ الجواب: : الحمد لله والصلاة على رسول الله،
أولا:
التبني أبطله الإسلام بنص القرآن الكريم في قوله تعالى: ( وما جعل أدعياءكم أبــنـاءكم ذلكم قولكم بأفواهكم واللّه يقول الحقّ وهو يهدي السّبيل، ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند اللّه فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدّين ومواليكم ) [الأحزاب/4-5].
فمن زعم بعد نزول هذه الآية الكريمة: أن من لم يلده من صلبه هو ابنه، ونسبه إليه فهو كاذب، وقوله مردود، وهو محاد لله ورسوله وعدو لكتابه، ومن زعم من المتبنين أنه ولد المتبني له، وقبل انتسابه له وأعرض عن انتسابه لمن ولده من صلبه حقا، فإنه ملعون حرام عليه الجنة لا يدخلها ولا يشم رائحتها.
والرجل والمرأة في هذا سواء، والحاكم، أو القاضي الذي يبطل هذا الحكم القرآني ظالم فإن اعتقد أن حكمه أفضل وأحسن من حكم القرآن فهو كافر بالله، وينقض حكمه. ثانيا:
نحن في الجزائر -والحمد لله- كانت أحكامنا إسلامية منذ إسلام أجدادنا حتى الآن، إلا أنه في عهد الاستعمار كانت قوانينه وتشريعاته تسمح بالتبني، وتحكم بمقتضى قوانينه فيه. وقد نص في تنظيم الأسرة الذي صدر منذ قريب على إبطال التبـني وعـدم الاعتراف به. ثالثا:
ولهذا نقول: إن ما صنعته عمتكم يعد إثما مبينا، مخالفا لكتاب الله وأحكام الفقه الإسلامي، ولقانون الأسرة، وبإمكانكم أن تنالوا حقكم كاملا.
عليكـم أن تثبتوا قرابتكـم من هذه العمة، وتخرجـوا فريضة للورثة المستحقين كلهم.
فإذا لم يكن لها ولد من بطنها، ولا والد من أصلها، فالذين يقدمون في إرثها هم إخوتها الأشقاء ثم من بعدهم الإخوة للأب، وكذلك الاخـوة للأم لهم الثلث إذا تعددوا، وإن كان واحدا فله السدس، ثم يأتي دور أبناء إخوتها، ويقدم أبناء الأشقاء على الذين هم للأب. فالحق لك وحدك، وإن كان لك أخ ذكر فله حق معك - ولا حق لأختك لأنها لا ترث عمتها - وإن كان لك أبناء عم مساوون لك في الدرجة، فلهم مثل حقك وكذا. رابعا:
هذا المتبنى لا حق له في الإرث مطلقا، ولكن له الحق في الوصية وتخرج الوصية من الثلث، وبما أنها أوصت له بالمال كله - لأنها اعتبرته يرثها كابنها، والابن يأخذ كل المال - فإنه لا يستحق سوى الثلث فقط وما بقي - وهو الثلثان - فهو للورثة يقتسمونه حسب الفريضة الشرعية.